قراءة في كتاب المنهاج النبوي-1-

بقلم : حفيظ زرزان

يعد كتاب المنهاج النبوي-تربية وتنظيما وزحفا- (الطبعة الثالثة) لسنة 1994 تصور ورؤية جماعة العدل والإحسان للتربية والتنظيم والزحف. وضعه وألفه الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله. بثت بعض حلقاته بداية في مجلة الجماعة، ثم تم جمعه كاملا في مجلد وإصدار واحد ليبرز من خلاله المعالم الكبرى لعملتي التربية والتنظيم للجماعة.

يتألف الكتاب من خمسة فصول “مقدمات-اقتحام العقبة إلى الله-تجديد الدين والإيمان-التنظيم-الخصال العشر وشعب الإيمان”. تتوزع على ما يزيد عن 420 صفحة، بما يتجاوز مليون كلمة. يفصل الرجل رحمه الله بأسلوبه خطته وبرنامجه العملي للنهوض بالإسلام والمسلمين من الخمود والجمود والرقود والتهميش إلى ساحات الفعل والخلود ومعالجة الواقع وتقديم الحلول على كافة المستويات والأصعدة.

وأول ما يقترحه على الأمة ويكرره خلال صفحات الكتاب، هو جمع الجهود وتأليف القلوب الصادقة المحترقة لتخرج من الأنانية والفرقة والتنافر، إلى التحاب في الله، وتنظيمها وتربيتها، ودمجها في بعضها البعض صحبة ومحبة، لتذكر الله، وتبذل، وتتحقق بالخصال العشر، كخطى في السير والكمال.

في مقدمة الطبعة الأولى للكتاب، يحذر الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله مما يريده الأعداء بالإسلام وبالحركات العاملة له، وهو الانكفاء على أفكار مبرمجة متوقفة عن النمو، وهو ما يدفع الحركة الإسلامية إلى هامشية الحركة السرية، ثم يؤكد على ضرورة أن يعرف كل عضو مهمته. فيقول رحمه الله:” يضمر الفكر في غلس التخفي فينحرف العمل في الضالات الحركية، أنكون أقل ذلك وجرأة على الأمور من طوائف المذاهب المقاتلة للإسلام التي تخطط وتفكر وتنشر على أوسع نطاق ليعلم كل عضو في تنظيماتهم مهمته بالضبط؟

ثم يضيف:” ونحن أحوج ما نكون ليعرف كل مؤمن منا معايير التربية الإيمانية وطرائق تجديد الإيمان في القلب…” ويعيد الإلحاح على اختياره:” أما نحن فننشر مساهمتنا في علمي التربية الإسلامية والتنظيم لما نعلم يقينا أن قبول عملية التهميش التي تفرض علينا تخنق العمل الإسلامي من حيث لا تستطيع المؤامرات خنقه. والله من ورائهم محيط”.

وفي مقدمة الطبعة الثالثة للمنهاج النبوي، سنة 1994، بعدما تحدث الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله عن الهم الجامع على الله، و عن ما أحدثه الله عز وجل خلال عشر سنوات وعن ما تم رسمه. وعن التوكل على الله عز وجل، وضرورة الأخذ بالأسباب والحساب الداخلي والخارجي في سلم ناموس الكون.

وداخلها يطرح السؤال: هل لما رسم عشر سنوات مزايا تستفاد حتى يعاد طبعه ويعاد؟

نستشف من ذلك، لربما أنه رحمه الله كان يحين تصوراته للعمل بشقيه التربوي والتنظيمي بشكل مستمر بتصور منهاجي بثوابت شعب الإيمان، ولا يجمد على ما كان تشكل وفقا لسياقات معينة وأحداث. خاصة بالنظر إلى ما يقع محليا، وإقليميا ودوليا، وما كان يتراكم من التطبيق الفعلي، ومن خبرة التدافع والاطلاع والمزاحمة على أرض الواقع. لهذا كان الرجل كما يبدو من كتاباته متجددا متوقدا متعددا وموسوعيا، له تصور واضح، بمخطط ومبادئ تؤم العمل، تتطور بما يناسب الوقتَ ومستجداته.

في الصفحة 11 من الفصل الأول “مقدمات” يحرص الرجل على تعريف كلمة منهاج، وتأصيلها من الكتاب والسنة، ثم بيان المقصود منها.
وتحت عنوان “من الأماني المعسولة إلى الجهاد” يشرح حاجة الأمة إلى تربية وإلى تنظيم جهودها لتنتقل من مجرد الشكوى العاجزة القاعدة إلى الفعل وإلى صناعة القوة لمواجهة التحديات المعاصرة. ويضرب المثل بالعدو وانضباطه لخط فكري وتنظيم مصلحي وهو ما يمكنه من الحُكْم، ومن عكس أهدافه على أرض الواقع.

وبشكل معكوس، كأنه يُرغّب في الصف المرصوص، الذي يحبه الله عز وجل، وتحاب القلوب، وذوبان الآراء في عمل شوري جماعي جامع يشكل قوة ضاربة، وهو ما ورد هنا: ” نفرة القلوب والتشتت لفرقة الخلاف وإعجاب كل ذي رأي برأيه وكل ذي رئاسة برئاسته”.
“أن نصحح المنطلق لكي لا نتشتت على سطح الأحداث”، بهذه الجملة المفصلية التي توسطت “سابقوا إلى مغفرة إلى ربكم وجنة” كعنوان ثان، يقارن طرق وأشكال ونيات استنهاض مختلف الدعوات وتعبئتها بين أصحابها، وكيف يجب أن يتميز حملة رسالة الإسلام والدعوة إلى الله…فيقول:” لهذا نضع بين يدي هذه الصحيفة بإلحاح ذكر الله تعالى. لأن التربية لا تكون إسلامية إن لم تحقق في نفس المربي الرغبة في الله والاستعداد المتحفز للسباق إلى مغفرته وجنته ورضاه ووجهه حتى الاستشهاد. ولأن التنظيم لا يكون إسلاميا إن لم تنتظم محبة الله تعالى والتنافس في الجهاد إليه جماعة المؤمنين.”

ثم يكرر معاني التربية والتنظيم: “ذلك المومن المجاهد لن يكون إلا نتاج تربية، وذلك الصف لن ينتظم إلا إن كان المنهاج المنظم نبوية وهمة رجاله ربانية”.

ولكي تتميز “الدعوة” عن باقي هذه الدعوات الإيديولوجية، يؤصل لمفهوم القومة المخالف للثورة، ويبسطه ويعيد ما بثه في المقدمة من ضرورة أن يعرف الواحد من جند الله مهمته في الصف كما يفهم المهمة الكلية وخط السير كما يؤكد على الطاعة للصف بعد الإشراك والتنفيذ بحافز داخلي. فيقول رحمه الله:” مع الإيمان بالله والسباق إليه، مشاركة في الفهم والتنفيذ بحافز من داخل، بحافز الإيمان والبذل في الله. ولا تأتي الطاعة لنظام الصف إلا مكملا من خارج.