كورونا وتغيير جذري في السكن والمنتج العقاري

حدث تطوران سريعان في العالم خلال الفترة الأخيرة، سيكون لهما أثر كبير على المنتج العقاري. ولربما ما يزال هذا التغير غير واضح المعالم حتى الآن، ولكنه عملياً حاصل.

وهذان التطوران، هما تفشي فيروس كورونا ومتحوراته المختلفة وأحدثها المتحور أوميكرون، والكوارث الطبيعية الناجمة عن ارتفاع درجة الحرارة على بر الكرة الأرضية ومياهها، وما يجلبه ذلك من حرائق وزلازل وأعاصير وغيرها.

وكذلك، المدن الكبيرة التي يتجاوز عدد سكانها عشرة ملايين نسمة قد بلغت 37 مدينة حول العالم. وحسب مصادر أخرى تتبنى تصنيفاً مختلفاً لمفهوم المدينة الكبيرة المتروبوليتان (متروبوليس)، أو “الميتروبلكس” (Metroplex)، فإن عدد المدن وفقا لذلك سوف يصل إلى 55 مدينة إذا أخذنا بتعريف “ليجاسيتي” أنها تلك التي يسكن فيها ثمانية ملايين نسمة.

وهؤلاء يشكلون نسبة عالية من سكان العالم لا تقل عن 7%. أما سكان المدن بتعريفها المطلق، أو (urbanites)، فيشكلون 54% من سكان العالم حسب إحصاءات العام 2018.

وهكذا تغير نمط الهجرة السكانية من الضواحي إلى المدن.

العمل عن بعد في زمن كورونا

ومن هنا، فإن ازدحام المدن، واكتظاظ السير فيها، وتكلفة إدامتها، سوف تملي تغييرات تمهد لها دوافع الكلفة وتطورات التكنولوجيا. ولقد ثبت من تجربة أزمة كورونا الصحية وما تلاها من متحورات آخرها أوميكرون أن بإمكان شركات ومؤسسات مالية واقتصادية وبنوك كثيرة وكبرى أن تدع موظفيها يعملون من البيوت.

وكذلك، تقتضي متطلبات الحفاظ على البيئة تقليل كمية الغازات السامة المنبعثة من حرق منتجات الطاقة مثل النفط، أو الغاز الطبيعي المسال، أو الكهرباء في وسائل النقل. واكتظاظ الطرق وازدحامها له تأثير مباشر على السلوك العدواني الذي يظهره كثيرون من سائقي السيارات في العالم.

وقد بدأت دراسات قبل سنوات، نشرت إحداها في مجلة “ذَ ليبور ريفيو الدولية” تقول إن ساعات الانتقال من العمل وإليه يجب أن تُحسب ساعات دوام. وأطلقوا عليها اسم “عمل الظل” (shadow labor)، وصارت نقابات العمال تطالب إما بتقليص عدد أيام العمل، أو بزيادة الأجور، أو بتقليل ساعات العمل اليومية.

تقلص الأسواق ومكاتب الشركات

ولذلك، سنرى أن مكاتب الشركات، والأسواق الكبيرة مثل المولات التجارية والمجمعات أو غيرها، ستبدأ تدريجياً في التقلص. وسيسرع في هذه العملية الشراء اللوجيستي عبر الإنترنت، والذي صارت له شركات تجارة إلكترونية عملاقة، مثل شركتي أمازون الأميركية وعلي بابا الصينية وغيرها من الشركات التي انتشرت خاصة في فترة ما بعد انتشار أزمة كورونا.

ومن هنا، فإن الأسواق الكبيرة، والمولات التجارية، سوف تتغير تدريجياً، وتصغر حتى يُكتب لها أن تختفي، ويستعاض عنها بمناطق تخزينية كبيرة، وكذلك سيختفي كثيرون من الوسطاء، والتجار، ويصبح الشراء لمعظم المستهلكين مباشراً.

ومن هنا، سيرى ناس كثيرون أن منازلها لم تعد موئلاً فقط، ولكنها مكان لإنجاز العمل. ولكن كلفة بنائها سترتفع، إذا ما اريد أن تتوفر فيها وسائل الراحة، والدفء الرخيص، والتهوية الرخيصة، وأن تكون ذكيةً قابلةً لاستيعاب وسائل التواصل الحديثة. وبسبب ارتفاع أسعار الأراضي وتكاليف البناء، فإن الأبنية ذات المئات من الشقق الصغيرة مرشّحة للنمو كثيراً.

وسيتطلب ذلك تغييراً في مكونات هذه الأبنية، فهي تحتاج إلى إدارة من نوع مختلف توفر وسائل الترفيه الجماعي، وتنظيم أوقاته ليتسنى للقاطنين استخدام مرافقها بانتظام، ليس فقط للقاطنين في العمارة، وإنما لضيوفهم أيضا.

وكذلك لا بد من أن تتوفر في هذه الأبنية مراكز صيانة دورية وصيانة طارئة لحل المشكلات المستجدة. وسوف تضع إدارة العمارة شروطا لاستخدامات المصاعد، ومواعيد استخدام الحمامات وغيرها.

وسيكون في الإدارة أشخاص متخصّصون في تأمين طلبات الساكنين من السلع والخدمات التي يطلبونها لتسلم لهم في منازلهم. وسوف توضع قوائم دورية بالحاجات المتكرّرة، لتوفر الشركات المزودة هذه القوائم دوريا.

منازل أقل للأثرياء

أما أصحاب الدخول المرتفعة، فسوف يعيشون في منازل قد يكون عددها أقل، وارتفاعات الأبنية أدنى، ومساحات السكن أكبر. ولربما تتوفر لهم مرافق إضافية ترفيهية. ولذلك ربما يرتفع الطلب على المنازل التي تصمّم بطريقة تعطي خصوصية أكثر للساكنين من أصحاب الدخول المرتفعة.

وسنرى بالتوازي مع ذلك هبوطاً في معدلات المواليد، وتأخّراً في سن الزواج، وتغييراً واضحاً في تصميم الوحدات السكنية، مثل إلغاء غرف الضيوف، وتصغير مساحات المطابخ والاكتفاء بحمام واحد، وتصميم أثاث يطوى بطرق ذكية ويستخدم لأكثر من غرض. وهذه الأمور موجودة الآن، وبدأت تظهر ملامحها في بعض الدول. ولكن هذا سيتأخّر حتى يصل إلينا في المنطقة العربية، ولكن ليس كثيراً.

وسيتغير كذلك مفهوم اللباس الذي نرتديه، فاللباس الرسمي، والأحذية الجلدية، وكثرة الشراء، وتباين الملابس بين الفصول ستأخذ منحنيات جديدة. لن يكون في البيت خزائن ملابس واسعة، ولا ثلاجات كبيرة، ولا مقاعد كبيرة، ولا ثريات فخمة، بل سيكون هنالك تغير في قوائم الطعام، ونوع الملابس وعددها، وفي الأماكن التي تُخزن فيها.

لا شك أن المنتج العقاري الخدمي والتجاري، وأبنية الجامعات والمستشفيات والمصانع والمولات التجارية والفنادق والمباني والوحدات السكنية الطابقية والفلل وغيرها ستشهد تغييرات واسعة على تصاميمها ومساحاتها ووظائفها، وأن بعضها مرشّح للاختفاء والتبدّل، فدور العلم لن تكون بحاجة لغرف صفية كثيرة، ولا لمكتبة ولا إلى مكاتب للمعلمين كما كان الحال سابقاً. التغير في المكون العقاري شكلاً وتصميماً ووظيفةً سيكون سمة التغيير المقبلة في هذا القرن.

Almassae