كيف يباع الوعي العربي في سوق النخاسة؟

إن كان الوعي الاجتماعي هو تصوير وانعكاس للوجود الاجتماعي – من وجهة نظر فلسفية – فإن أزمة وجود كبيرة تكاد تهدد العديد من المجتمعات العربية، أزمة يشعل فتيلها هؤلاء الذين يحتكرون الوعي وأدوات صناعته المتخصصة بالتواصل والدفاع والضغط، تنفيذاً لحملات رخيصة هدفها تشويه البناء الاجتماعي ومرتكزات الحضارة للأمة، ثم تجيير التطور التاريخي لمصالح فئوية ضيقة، تُنتج في نهاية المطاف مجتمعا مشوهذا، وعيه مسلوب، وغارقا في جهله وأوهامه حد النخاع.

فإذا كان الوعي الاجتماعي هو “إعادة إنتاج البشر للواقع الاجتماعي في شكل أفكار وتصورات ورؤى..”، بحسب تعريف مؤلف كتاب الوعي الاجتماعي، أ.ك أوليدوف، فإن تسليم الإرث الفكري الراهن والمستقبلي لمثل هؤلاء بتصوراتهم المريضة، يترك مسألة الهوية الثقافية لمجتمع معين محاط بالعديد من إشارات الاستفهام.

لقد أعطى الفراغ الثقافي في السنوات الأخيرة؛ المجال لسعي محموم من قبل جهات عديدة لتشكيل وعي جديد للشعوب العربية، مرهون بأيديولوجيا معينة، أو أهداف سياسية موجهة؛ بمعنى أصح “سرقة” هذا الوعي، فكانت اللحظات الفارقة من عمر التغيير العربي، حافلة بحملات الزيف والخداع.

حَمل راية هذه الحملات دول عربية، وظفت “أشباه المثقفين” في الصفوف الأولى ضمن منظومة متطرفة لا تقل بشاعة عن الإرهاب الفكري الذي يتحدثون عن مواجهته. أمثلة كثيرة تدخل في صلب هذا الحديث، وشواهد عديدة على هذه المحاولات، بدأت في محاولة تبيض الثورات المضادة (وهنا أطلب من عراب الثورات المضادة محمد دحلان؛ المعذرة من تحريف مصطلحه “تبيض الأخبار” الذي دشنه قبل أيام على قناة العربية الحدث، بغرض استخدامه في مكانه المناسب والصحيح والذي يليق بتطورات المرحلة الراهنة).

محمد دحلان كان أحد هذه الأدوات التي عملت على تشويه الوعي الاجتماعي للمجتمعات العربية من المحيط إلى الخليج، لكن لم يكن المثال الوحيد، فتضمين منهج عبد الفتاح السيسي للإسلام المعتدل، صار أحد تلك الأمثلة وبجدارة.

وعلى صعيد متصل، كان لافتاً صعود أصوات ناشزة في الإعلام السعودي وعلى منصات التواصل الاجتماعي، لا تثير في بيئتها سوى الفتنة، ولا تطرح إلا ثمار الحقد والكراهية، تجاه مكونات عربية أخرى، اصطُلح على تسميتهم بعرب الشمال، وهم امتداد المجتمع العربي في بلاد الشام، وربما مصر أيضا تبعا لمدى ومسار الاستهداف الممنهج، وصولا إلى عرب تونس والجزائر والمغرب؛ الذين قال عنهم الصحفي السعودي محمد يحيى القحطاني في تغريدة تويترية: “إنهم الصداع النصفي المزمن في فرنسا، وجزء من مشكلة البطالة والجريمة والإرهاب والمخالفات القانونية”. حديث القحطاني هذا لا يختلف مطلقاً عن مضمون حملات شيطنة المقيمين ووصفهم بالمشردين من أوطانهم، قادها قحطاني آخر، هو سعود القحطاني، والتي أسفرت كنتيجة غير مباشرة لهذا التحريض؛ عن مقتل اثنين من المقيمين المصريين في السعودية خلال شهر واحد فقط!

هذا النوع من التجييش العربي – العربي، تزامن مع تمرير رسائل ودية صريحة، تأخذ طابع التطبيع المعلن مع إسرائيل والصهاينة المستوطنين، وصولاً إلى المباركة بأعيادهم عبر أدوات مأجورة، وهو ما يمكن اعتباره نتاجاً طبيعياً، فمن يخطب ود إسرائيل لا بد له أن يكنّ العداء للشعوب العربية!

الحقيقة أننا نقف اليوم أمام صرح من الدعايات السياسية الساخرة، في الواقع الأسوأ شكلاً ومضموناً. واهمون كثر يعيشون أكاذيبهم ويصدرونها ملصقات دعائية رخيصة، على جدران الخديعة. ملفات كثيرة تباع على الأرصفة الشعبية، رخيصة كجارية بائسة في سوق للنخاسة، ولبئس البائع والمشتري.