ما وراء قانون الخدمة العسكرية

يتذكر المغاربة خصوصاً متتبعي الشأن الكروي منهم كيف نزل قرار حظر أنشطة “الإلتراس” داخل الملاعب الرياضية قبل سنتين و نصف، و ما رافقه من نقاش عمومي كبير حول الدواعي و الدوافع و أيضا الخلفيات التي أملت ذلك القرار المفاجئ و الصادم لتلك الفئة، إذا أخذنا بعين الإعتبار حجم الدعاية و التسويق الكبير الذي لاقته فكرة “الإلتراس” في بداية انتشارها في المغرب منذ سنة 2006 من طرف الإعلام الرسمي بل و من أجهزة الأمن نفسها التي اعتبرته حينها جزء من العملية التشاركية لضبط و تأطير الجماهير..

‌هناك من المتتبعين من ذهب في تحليل خلفيات القرار آنذاك إلى ربطه بالسياق العام الذي جاء فيه؛ ظرفية تسبق استحقاقات سياسية مهمة كالعادة تلعب فيها بعض الجهات دور ضبط المشهد الانتخابي و لا تريد تشويش من أي جهة، أخذا بعين الاعتبار التطور الحاصل في وعي هذه التنظيمات -الإلتراس- و جرأتها على نقل بعض ما يدور في المجتمع إلى داخل المجتمع و جعلها من المدرجات منصة لإرسال مواقفها في قضايا ذات طبيعة سياسية في بعض الأحيان.

‌اليوم و بصورة أكثر شمولية عما وقع مع قرار حل الإلتراس، أتى مشروع القانون المتعلق بالخدمة العسكرية الإجبارية للشباب دون سابق إنذار ليخلق جدلا جديداً في المجتمع بين مؤيد و معارض و آخرون لم يقتنعوا بعد بمبررات ذلك..

‌لابد بداية من التأكيد على أن هذا الموضوع لا ينبغي تناوله بمنطق “الساركازم” و الاستهتار إنما وجب إخضاعه لنقاش مجتمعي خاصة في هذه الفترة التي تسبق عرضه على البرلمان من أجل المناقشة و المصادقة عليه.

التعامل الرسمي مع الموضوع بشيء من الغموض جعل العديد من الفاعلين يطرحون فرضيات و تخمينات في محاولة للاقتراب من الأسباب الكامنة وراء مشروع القانون هذا؛

طبعاً أول ما يحمله قانون كهذا إلى ذهن المواطن أن البلد تستشرف رهانات و تحديات ذات طبيعية عسكرية تستدعي التعبئة و الحذر و أهبة الإستعداد، و لهذا ما يبرره نوعا ما؛ تحركات جبهة البوليساريو في المناطق الحدودية مع موريتانيا و الوضع الدولي المتقلب في ظل السياسة الجديدة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

الفرضية الثانية متعلقة بما روجت له أطراف إعلامية معروفة بقربها و تماهيها مع الرواية الرسمية، في دور الخدمة العسكرية في إذكاء روح المواطنة و تقويم الاختلالات ذات الطبيعة القيمية لدى الجيل الناشئ، و هذا العذر كما يقال أقبح من الزلة؛ إذ لا يمكن التغطية على فشل المدرسة في القيام بأدوارها باستدعاء مؤسسات أخرى ليس من وظائفها الأساسية التربية و التكوين.. ثانيا الروح الوطنية تربى في الإنسان و لا تفرض، و هنا أستحضر نموذجين غير بعيدين زمانيا و لا حتى من ناحية الإمكانات المتاحة من المغرب؛ الأول، التعامل الشعبي مع محاولة الانقلاب الفاشلة على رجب الطيب أردوغان في تركيا، و الثاني إبداء الشعب الماليزي استعداده المساهمة ماديا من أجل فك أزمة الدولة.. و الدرس المشترك المستفاد من النموذجين أن الالتفاف الشعبي و التضحية يأتي تلقائيا عندما يرى وضوح الإرادة في محاربة الفساد و تكريس الديمقراطية و تكافؤ الفرص بين مختلف فئات الشعب.

أما الفرضية الثالثة و الأخيرة و هي التي يتم تداولها بقوة من قبل نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي و التي لا يمكن المرور عليها مرور الكرام، فلربما تنامي حركات الاحتجاج في السنتين الأخيرتين و ظهور ديناميات جديدة قادرة على الإحراج، على خطى حملة المقاطعة و ما خلفته في فضح الزواج غير الشرعي بين المال و السلطة، فإن “التربية” و “الضبط” و “الإحتواء” لفئة الشباب إجراءات باتت في وضع المطلوبية من أجل إعادة رسم الخريطة السياسية في أفق الاستحقاقات المقبلة.

ختاما، يمكننا أن نتساءل ما الذي جعل جزء كبير من الشباب المغربي يرفض فكرة الخدمة العسكرية و هو الذي كان قبل أشهر فقط يسعى بجميع الوسائل -المشروعة منها و غير المشروعة- لإيجاد موطئ قدم له في صفوف الدرك أو الأمن ؟ ما سبب هذا التحول الكبير ؟ هل هو مشكل ثقة يا ترى؟ ثقة بدأت تنقص يوما بعد يوم..