متطلبات المغرب المتماسك

بقلم / امحمد مالكي

لم تعد الدعوة إلى مغرب متماسك مجرد أمنية وأفق يسعى المغاربة إلى إدراكهما، بل غدت ضرورة وأولوية يتوجب على الجميع تحقيقهما. أما لماذا تحولت الأمنية أو الأفق إلى ضرورة وأولوية، فالأسباب كثيرة ومتعددة، وقد أجمعت على مضمونها وتحدياتها كل التقارير التي صدرت منذ عقد تسعينيات القرن الماضي، وسنوات الألفية الجديدة؛ لعل آخرها تقرير “النموذج التنموي الجديد”، الذي قدم رسميا إلى العاهل المغربي في شهر أيار/ مايو الماضي (2021)، أي في سياق الاستعداد لتنظيم انتخابات 8 أيلول/ سبتمبر 2021.

نذكر القارئ الكريم أن المرحوم الملك الحسن الثاني كان سباقا للتنبيه إلى الوضع الدقيق الذي وصلت إليه أحوال المغرب والمغاربة، حين خاطب نواب الأمة من تحت قبة البرلمان في تشرين الأول/ أكتوبر 1995 بالقول: “البلاد مهددة بالسكتة القلبية”، وكان تنبيهه وقتئذ كافيا لشعور الجميع بدرجة الخطورة التي وصلت إليها أحوال البلاد، وهو الذي لم يسبق له منذ اعتلائه سدة الحكم سنة 1961 أن أدلى باعتراف من هذا النوع والطبيعة. أما ما أعقب هذا النداء وترتب عن تحذيراته فقد شهدت البلاد سلسلة من الإصلاحات، وتم إعداد تقرير الخمسينية بدعوة من الملك محمد السادس في خطاب ذكرى 20 آب/ أغسطس 2003، ليصدر عام 2005، مبرزا بشكل استقرائي تركيبي حصيلة تجربة التنمية في المغرب على امتداد مرور نصف قرن على استقلال المغرب (1955-2005). كما أبرز الاختلالات الحاصلة، والتحديات التي يجب تجاوزها، معتمدا عنوانا فرعيا دالا في صدر التقرير بـ”المغرب الممكن” في أفق 2025.
لست أدري هل صدفة أم من مكر التاريخ أن أعاد المغرب، بتوجيه من أعلى سلطة في البلاد، الحديث عن التنمية وإشكالياتها، وشدد على ضرورة إعادة التفكير في صياغة نموذج تنموي جديد

ولست أدري هل صدفة أم من مكر التاريخ أن أعاد المغرب، بتوجيه من أعلى سلطة في البلاد، الحديث عن التنمية وإشكالياتها، وشدد على ضرورة إعادة التفكير في صياغة نموذج تنموي جديد. وقد حدد ذلك، مرة أخرى، في خطاب 20 آب/ أغسطس 2019، حيث ارتأى من هذا التقرير أن يكون “تقويميا، استباقيا، واستشرافيا”، وأن يتوجه إلى المستقبل، مستفيدا من تجربة عشرين سنة الأخيرة من التنمية، وهو ما قامت به اللجنة الملكية المنصبة لهذا الغرض، وقدمته رسميا إلى العاهل المغربي في أيار/ مايو 2021.

يربط بين تقرير الخمسينية (2005) وتقرير “النموذج التنموي الجديد” (2021) خيط رابط يمكن حصره في البحث عن شروط تحقيق “المغرب المتماسك”، أي المغرب الذي لا تصبح اختلالاته العامة، وفجواته الاجتماعية تحديدا، مصدرا للتوتر وتراجع منسوب الولاء للدولة ومؤسساتها، وضمور قيمة المواطنة. كما يشترك التقريران في الاعتراف الواضح بعدم تحقيق التنمية لأهدافها العامة، واستعصاء تجاوز المعوقات التي كانت سببا في عدم قدرتها على بث روح التماسك في النسيج الاجتماعي المغربي، بين مكوناته، ومجالاته الترابية غير متناظرة الأوزان والخيرات.

لكن كان هاجس صناع التقريرين التوجه إلى المستقبل، وعدم البقاء محصورين في إخفاقات الماضي ومثبطات الحاضر، لذلك تحدث التقرير الأول عن “المغرب الممكن”، في إشارة لاستبعاد “مغرب المستحيل”، واتخذ التقرير الثاني عنوان “مغرب الكفاءات”، في تأكيد واضح لما للمغرب من قدرة واقتدار على رفع التحدي، أي بناء “المغرب المتماسك”.

صحيح لم يدرك المغرب ما سعى إلى إنجازه في ضوء خلاصات وتوصيات واقتراحات التقرير الأول، بدليل عودته إلى الحديث عن الحاجة إلى نموذج تنموي جديد عام 2019، وهو على مرمى حجر من الأفق الزمني الذي حدده تقرير الخمسينية أي 2025. ومرة أخرى، سينبه العاهل المغربي نواب الأمة المنتخبين في 8 أيلول/ سبتمبر 2021؛ إلى ضرورة تنزيل الرؤية الجديدة للنموذج التنموي الجديد، وهو ما ينسحب على الحكومة المنصبة في أعقاب نتائج الاقتراع الأخير. فهل ستنجح النخبة المغربية، البرلمانية والحكومية، في تحقيق شعار “المغرب المتماسك”، أي المغرب المتضامن بين مكوناته، والمقتسم لخيرات البلاد بالتكافؤ؟ أم سيفشل مرة أخرى، وقد نجد أنفسنا بعد حقبة من الزمن نعاود الحديث عن نموذج جديد للتنمية؟
هل ستنجح النخبة المغربية، البرلمانية والحكومية، في تحقيق شعار “المغرب المتماسك”، أي المغرب المتضامن بين مكوناته، والمقتسم لخيرات البلاد بالتكافؤ؟ أم سيفشل مرة أخرى، وقد نجد أنفسنا بعد حقبة من الزمن نعاود الحديث عن نموذج جديد للتنمية؟

ليس من حق أحد إعاقة المغرب للنجاح في تحقيق تماسكه المجتمعي، فالتماسك أصبح أكثر من ضرورة وأكثر من أولوية، لأسباب عديدة؛ أبرزها أن التماسك يحقق مصالح الجميع مع دولتهم ومؤسساتهم، ويذكي روح الولاء، ويشعر الجميع بأنهم مواطنون في بلدهم، والأكثر يقوي صفوفهم لمواجهة التحديات المحدقة بالمغرب، لأنه في قوة المجتمع وتماسكه وتضامنه تكمن هيبة الدولة وشوكتها في الداخل والخارج. أما إذا بقينا بعيدين عن هذه المتطلبات، فسنعمق اختلالات مجتمعنا، ونضعف ولاء أبنائه في الاندماج الطوعي في جدلية التنمية والبناء وفق ما يتمناه معظم المغاربة.

ثمة رهان كبير على الانتخابات الأخيرة، على الرغم من الملاحظات الواردة عليها، في تدشين مرحلة جديدة في تطور البلاد، كما هناك تطلع لأن تحترم الحكومة المنبثقة عن نتائجها ذكاء المغاربة، والتفاعل الإيجابي والصادق مع تطلعاتهم، والوفاء بالوعود الانتخابية مرتفعة السقف، والأهم البقاء صريحة مع من أدلوا بأصوات لصالح أحزابها، وعدم تكرار ممارسات التجارب السابقة، وهو ما لم يلمسه المغاربة بعد مرور أسابيع على تنصيب الحكومة الجديدة.

بل إن ما تتخوف منه شرائح واسعة من المغاربة، وتستعد لمواجهته، أن يضيق بها العيش أكثر، وتضعف إمكانياتها المعيشية، وتتراجع حرياتها العامة مع الوقت.. وهو ما يدل على حصوله في الواقع الكثير من المؤشرات. لذلك من مسؤوليتنا جميعا تحقيق “المغرب المتماسك”، ويلزمنا على التكاتف من أجل إنجازه باقتدار وبوطنية كبيرة.

 

Almassae