متى يتوقف «بينغ بونغ» المغرب و الجزائر؟

لا روابط النسب ولا وشائج القربى والتاريخ، ولا قواسم الجغرافيا والدين، ولا كل الشعارات الأخوية التي كانا وما زالا يرفعانها عاليا، حالت أو تحول دون استمرارهما في لعب أخطر مباراة «بينغ بونغ»، يتبادلان فيها منذ سنوات طويلة كما هائلا من الاتهامات والملاسنات والاحتجاجات النارية، غير آبهين أو مقدرين لما تلحقه من ضرر بالغ لا على علاقات بلديهما وشعبيهما فحسب، بل حتى على فرص قيام وحدة فعلية في الشمال الأفريقي أيضا.

والمفارقة أن قادة المغرب والجزائر، الذين ادمنوا تلك اللعبة على ما يبدو، وصاروا يتفننون في صنع معارك دونكيشوتية تزيدها سخونة وتشويقا، لا يجدون حرجا في ممارستها بأقصى الحماسة، ثم الخروج بعدها وبالخصوص في المناسبات الوطنية الكبرى لتجديد دعمهم ومساندتهم لما يطلقون عليه بناء صرح اتحاد المغرب العربي الكبير. فهذه لا تمنع تلك مثلما يرون.

والملاسنات والتهديدات في نظرهم شيء وبناء ذلك الاتحاد شيء آخر مختلف تماما لا صلة له ببقائها أو زوالها، لكن الأغرب من ذلك هو أن جيرانهما أو حتى الموظفين الرسميين بأمانة الاتحاد المغاربي صاروا ينظرون لمثل تلك الازدواجية على أنها أمر عادي وطبيعي، بدون أن تتحرك لهم شعرة واحدة أو يدفعهم ذلك التوتر الدائم في علاقة الرباط بالجزائر لأن يراجعوا مواقفهم من اتحاد صار أشبه بالشبح، أو تتحرك ضمائرهم قليلا ويبذلوا ولو بعض الجهد لجمع البلدين الشقيقين إلى طاولة مفاوضات في عاصمة من عواصمهم، بدلا من أن يحدث ذلك غالبا في عواصم أخرى وفي اجتماعات ترعاها الأمم المتحدة. لقد كان صمت أمين عام اتحاد المغرب العربي، وسكون العواصم المغاربية الثلاث طوال الأزمة الأخيرة، التي اندلعت قبل أسبوع عندما تقدم المغرب بشكوى للأمم المتحدة حول ما وصفها بانتهاكات جديدة للبوليساريو في المنطقة العازلة في الصحراء، دليلا واضحا على حالة الانفصام التي يعيشها المغاربيون، بفعل استمرار تلك الحرب الباردة. ففي ذروة المعركة الكلامية التي وصل صداها لنيويورك، كان الطيب البكوش أمين عام الاتحاد يحضر في تونس اجتماعات البنك الإسلامي للتنمية، ويعرض لمشاريع مشتركة ربما يخص بعضها المغرب والجزائر.

ولم يجد الدبلوماسي المغاربي مبررا للبحث عن معنى استمرار عرض تلك المشاريع، على ضوء التصعيد الجديد بين البلدين. والمؤكد أن أحدا لم يطلب منه أن يقطع زيارته، لا سمح الله، ويعود على عجل إلى مقره في المغرب أو أن يشطب تلك المشاريع من جدول أعماله. لكن ألم يكن تأجج الأوضاع بين عاصمتين مهمتين بتلك الطريقة ليلفت انتباهه إلى ضرورة التفكير في طبيعة دوره، وفي ما إذا كان قادرا على أن يكون بالفعل أمينا عاما لاتحاد مغاربي لم يعد له وجود إلا على الورق، في ظل القطيعة شبه التامة بين المغرب والجزائر؟ لقد أرجع البكوش في أكثر من مرة سبب شلل الاتحاد وتعطله إلى أن ميثاقه التأسيسي أعطى صلاحيات مطلقة لمجلسه الرئاسي المكون من قادة الدول المغاربية الخمس، ولم يمنح الأمين العام أو هياكل الاتحاد أي نفوذ أو صلاحية خارج إرادة الزعماء، لكنه كان يعرف جيدا أن اختيار موظف تونسي على رأس الاتحاد منذ تأسيسه قبل تسعة وعشرين عاما، كان حلا وسطا لاحتواء رغبة الجارتين الكبيرتين في السيطرة عليه. ولعل ما فضله الجميع حينها هو وضع العربة قبل الحصان، والمسارعة للإعلان عن تأسيس كيان مغاربي واحد، بدون التنبه إلى أنه لن يكون لذلك من قيمة أو معنى، مادامت الخلافات والتوترات العميقة لا تزال تشق البلدان الخمسة، وتجعل آمالها وطموحاتها في الوحدة في واد، ومواقفها ومصالحها على الأرض في واد آخر. هل كان القادة بذلك يوهمون أنفسهم وشعوبهم بأنه بمجرد إنشاء الاتحاد ستحل تلك الخلافات وتتلاشى وتختفي في رمشة عين؟ أم أن كل واحد منهم كانت له حساباته وتصوراته للهدف الحقيقي من وراء الانضمام لذلك التكتل الإقليمي؟ ربما كمن الشيطان فعلا في تفاصيل مشروع حالم سعت وراء ولادته أجيال ودفنته أخرى بنزقها وأطماعها. فلم يكن هناك ما يربط القادة الخمسة، أو يشد أي واحد منهم للاهتمام بما كان يجري وراء حدوده، إلا متى كان ذلك يؤثر بشكل فعلي ومباشر على ما كان يراه مصالحه الحيوية، بغض النظر عما كان يتردد باستمرار في كل العواصم المغاربية عن وحدة الماضي والحاضر والمصير.

ولعل طريقة التعامل مع ملف الصحراء تؤكد بعضا من ذلك، فقد كانت هناك إرادة لحصر الموضوع في كونه صراعا ثنائيا بين المغرب والجزائر، ولم يكن لباقي الدول الثلاث أي دور حاسم أو مؤثر في البحث عن حل نهائي له، أو فرض تسوية ما على الطرفين أو إلزامهما بتسوية خلافهما بعيدا عن لغة الوعيد والتهديد، وبما تقتضيه علاقات الأخوة والجيرة. وبالطبع ظلت مواقف تلك البلدان محكومة بمقتضيات مصالحها مع الجارتين الكبيرتين، فهي مع حق تقرير المصير للصحراويين، كلما توترت علاقاتها بالمغرب، وهي على النقيض من ذلك مرات أخرى مع حق المغاربة في وحدة ترابهم، كلما حصل برود في علاقاتها بالجزائر. لقد نالت أقربها لبؤرة النزاع وهي موريتانيا نصيبا من الصحراء، وأعلنت منتصف الثمانينيات اعترافها بالجمهورية العربية الصحراوية، لكنها لم تقم معها علاقات دبلوماسية إلى الآن.

فيما ظلت مواقف ليبيا في عهد القذافي متأرجحة بين مساندة البوليساريو ماديا وعسكريا، ورفض الاعتراف بحق الصحراويين بكيان مستقل. وفضلت تونس البعيدة نسبيا عن تلك البؤرة أن تنتهج ما عرف بالحياد الإيجابي، وتترك المسألة برمتها في عنق الأمم المتحدة. لكن لمن تنتمي تلك الصحراء التي تثير كل تلك الانقسامات والمعارك؟ أليست بالنهاية جزءا من ذلك المغرب العربي الكبير؟ ربما سيقول البعض هنا إنه متى وقف ذلك الاتحاد فعلا على قديمه، وصار حقيقة فلن يكون هناك شيء يسمى معضلة الصحراء. ولكن ألسنا مجددا أمام منطق البيضة والدجاجة، وأيهما تسبق الأخرى؟ ألم يثبت في الماضي القريب مثلا أن مقترح تقاسم الثروات في المناطق الحدودية لم يحل التوترات التي قادت الجزائر والمغرب لحرب الرمال؟ ثم ألا يدل استمرار البلدين إلى الآن في «بينغ بونغ» تبادل الاتهامات على أن المشكل اعمق بكثير من أن يكون خلافا على الحدود؟

انظروا مثلا لما حصل في مايو العام الماضي في اجتماع لجنة أممية في إحدى دول البحر الكاريبي. لقد اتهم المغرب مسؤولا بالخارجية الجزائرية بأنه اعتدى جسديا على دبلوماسي مغربي خلال الاجتماع، وردت الجزائر بالنفي والتأكيد على تعرض دبلوماسية جزائرية للتحرش المستمر ومحاولة الاعتداء من أعضاء الوفد المغربي، لكننا لم نعرف إلى اليوم ما الذي حصل بالضبط، ومن اعتدى فعلا على من؟ لقد طوي الملف بسرعة وفتحت بعده ملفات أخرى. وربما كان انغماس البلدين في لعبة «البينغ بونغ» تلك هو ما جعل كل واحدة منهما تبحث فقط عن تسجيل النقاط على حساب من تقول عنها إنها شقيقتها العزيزة، حتى لو كانت تلك النقاط وهمية أو مغشوشة، أو ربما قاتلة لا قدر الله.