محمود عباس وحديث الكونفدرالية مع إسرائيل

لم يكن كلام الرئيس الفلسطيني محمود عباس عن كونفدرالية مع الأردن وإسرائيل يحتاج إلى كل هذه الضجة فما بالك أن يخرج الناطق باسم حركة «حماس» ليندد به، ليس فقط لأن ما تنغمس به «حماس» حاليا منفردة من بحث لترتيبات تخص غزة دون سواها مع أطراف إقليمية ودولية، وإسرائيلية طبعا، يجعلها في وضع لا يسمح لها بانتقاد الآخرين لمجرد تصريح، و لكن أيضا لأن ما نقلته الناشطة الإسرائيلية هاغيت عوفران عن الرئيس الفلسطيني لا يستحق التوقف عنده كثيرا، ليس تهوينا من خطورته، بل لأنه ببساطة يدخل في خانة المستحيل.
اسرائيل مدعومة من إدارة ترامب ترفض إقامة دولة فلسطينية مستقلة، ناهيك أن تقبل إسرائيل بجرعتي سم في نفس الوقت: دولة فلسطينية وكونفدرالية معها ومع الأردن!!
نقلت عوفران عن عباس قوله إنه أبلغ المسؤولين الأمريكيين أنه سيكون مهتما فقط بالأمر إذا كانت إسرائيل أيضا جزءا من هذا الاتحاد الكونفدرالي، وأنه لم يفصح عن مزيد من التفاصيل. أكثر من ذلك، عوفران نفسها قالت لـ«فرانس برس» إن رد عباس كان طريقة لنسف الاقتراح لأن اسرائيل سترفض على الارجح الانضمام إلى هذه الكونفدرالية. ثم إن كلام عباس ليس مقترحا ولا مشروعا ولا خطة وإنما كلاما جاء بالتحديد ردا على سؤال لمستشار الرئيس الأمريكي جيرالد كوشنار والمبعوث الأمريكي للشرق الأوسط جيسون غرينبلات عندما سألاه «إذا كان موافقا على اتحاد كونفدرالي مع الاردن»، فأجابهما بالقول «سأوافق على كونفدرالية مع الأردن وإسرائيل فقط».
ما جرى بين الرئيس عباس وفد نشطاء حركة «السلام الآن» مصحوبين بعضوين من «الكنيست» الإسرائيلي ذكرني بحادثة حصلت معي مطلع التسعينيات في تونس. كنت في زيارة مع الصديق العزيز الكاتب والباحث السوري علي العبد الله إلى بيت القائد الفلسطيني الراحل خالد الحسن (أبو السعيد) أحد المؤسسين التاريخيين لحركة «فتح» وعضو لجنتها المركزية وأبرز مفكريها ومنظريها و تطرق الحديث كالعادة إلى هموم فلسطينية شتى.
رماها أبو السعيد كمن يرمي قنبلة، طرح السؤال التالي: «أتدريان ما هو الحل الأمثل للقضية الفلسطينية؟» ومضى مجيبا دون أن ينتظر منا جوابا «أن تقدم اسرائيل على ضم الضفة الغربية وغزة إليها ويصبح كل الفلسطينيين هناك مواطنين متساوين مع الإسرائيليين، ينتخبون ويترشحون… وهكذا».
طبعا هذا من المستحيلات ولن تقدم إسرائيل على انتحار كهذا، لكن خالد الحسن قالها مع ذلك. كان بالإمكان وقتها أن أنقل عن هذا القائد الكبير هذا الكلام الصادم. لو فعلتها وقتها، وكنت مراسلا لـــ «راديو مونتي كارلو» ذي الشعبية القوية بين الفلسطينيين آنذاك لخوّنوه بالتأكيد، ولخرجت عشرات البيانات المنددة والمستنكرة من الفصائل التي كان يسميها هو نفسه «المعارضون أبدا» في إشارة وقتها إلى «الجبهة الشعبية» و«الديمقراطية» وغيرهما.
لم أفعل ذلك وقتها مع أنها «خبطة كبيرة»، ليس فقط لأن الرجل قالها لي في جلسة ودية خاصة ولم تكن مقابلة صحافية، بل لأنه كان من الواضح تماما أنها قيلت في سياق تعجيزي واضح ولم يكن هو من المؤمنين بأن حلا كهذا يمكن يوما من الأيام أن يرى النور أصلا بأي شكل من الأشكال. اسرائيل ليست من الغباء أن تقبل بأن يصبح أكثر من ثلاثة ملايين فلسطيني بين عشية وضحاها مواطنين في دولتها فيصبح اليهود أقلية فيها وقد يصبح الرئيس فلسطينيا وكذلك رئيس الحكومة والأغلبية في البرلمان!
هناك أيضا كلام يقال في بعض المقابلات الصحافية ولا يبدو أنه بذاك الكلام الوشيك تحقيقه حتى تنطلق منه لتحكم على قائله، من ذلك ما قاله لي البروفيسور الفلسطيني الشهير الراحل إبراهيم أبو اللغد في لقاء تلفزيوني في شقته في رام الله التي استقر بها آخر سنواته بعد عقود من التدريس والإقامة في الولايات المتحدة. كان ذلك نهاية التسعينيات، قال علينا أن نقيم دولتنا الفلسطينية المستقلة وإذا ما اتضح بعد سنوات من أن الجغرافيا أضيق من أن تتحمل دولتين في هذه الرقعة فقد نصبح يوما دولة واحدة مع الإسرائيليين. هل كان من المناسب وقتها مثلا أن يناقش الرجل على طرح كهذا سواء بالإشادة أو الاستهجان؟!
وبعيدا عما نقل عن الرئيس عباس مؤخرا، فإن فكرة الكونفدرالية بين الفلسطينيين والإسرائيليين ليست جديدة فقد صيغت في اتفاق 11 شباط/ فبراير بين منظمة التحرير الفلسطينية والمملكة الأردنية وظل الكل يتحدث عن ذلك مع التأكيد على الاختيار الطوعي والحر للأردنيين والفلسطينيين في ذلك بعد قيام الدولة الفلسطينية المستقلة قبل أن يتراجع هذا الحديث تدريجيا مع الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1978 وقرار الملك الراحل حسين فك الارتباط الإداري والقانوني مع الضفة 1988.
باختصار، ليس كل ما يقوله السياسيون أو ينقل عنهم يستحق فعلا الضجة التي يثيرها.. و هكذا كان كلام «أبو مازن».