معركة التحرر من الهيمنة الأمريكية

تساءل كثير من المتابعين للشأن التركي، بعد تأكد حدوث خروقات واسعة وتجاوزات منظمة لصالح مرشح حزب الشعب الجمهوري أكرم إمام أوغلو، في الانتخابات المحلية التي أجريت في إسطنبول في 31 آذار/ مارس الماضي: “كيف يمكن أن يحدث تزوير بهذا الحجم لصالح حزب معارض في بلد يحكمه الحزب الحاكم منذ ما يقارب 17 عاما؟”.

هذا السؤال يكمن جوابه في خصوصية النظام في تركيا. ومن الطبيعي أن يستغرب من لا يعرف أوضاع البلاد حدوث تزوير لصالح حزب معارض، إلا أن من يدرس تاريخ تركيا، يدرك أن ما شهدته الانتخابات المحلية في إسطنبول مجرد جزء من صراع عميق تشهده البلاد.

من يدرس تاريخ تركيا، يدرك أن ما شهدته الانتخابات المحلية في إسطنبول مجرد جزء من صراع عميق تشهده البلاد

الفترة التي تمتد من فوز حزب العدالة والتنمية في الانتخابات البرلمانية في 3 تشرين الثاني/ نوفمبر 2002 حتى اليوم، يمكن أن نسميها “فترة مكافحة الوصاية” في تاريخ تركيا. ومن المؤكد أن حزب العدالة والتنمية قطع شوطا كبيرا في تقليص نفوذ العسكر وتدخلاته في الشؤون السياسية، إلا أن الصراع بين الإرادة الشعبية وقوى الوصاية لم تنتهِ بعد.

نفوذ العسكر والقوى العلمانية المتطرفة تراجع خلال حكم حزب العدالة والتنمية، إلا أن البلاد تعرضت لمحاولة فرض وصاية أخطر بكثير من وصاية العسكر والعلمانيين، وهي وصاية تنظيم استخباراتي يلبس ثوب جماعة دينية. وهذا التنظيم الذي تغلغل في شريان الدولة على مدى أكثر من أربعة عقود، وقام بعدة محاولات لإسقاط الحكومة المنتخبة، بما فيها محاولة الانقلاب العسكري. وعلى الرغم من فشل جميع تلك المحاولات، فمن الصعب القول بأن خطر هذا التنظيم الباطني المدعوم من الولايات المتحدة؛ قد زال تماما.

على الرغم من فشل جميع المحاولات، فمن الصعب القول بأن خطر هذا التنظيم الباطني المدعوم من الولايات المتحدة؛ قد زال تماما

تنظيم الكيان الموازي تلقى ضربات موجعة بعد محاولة الانقلاب الفاشلة التي قام بها في 15 تموز/ يوليو 2016، وسُجن كثير من عناصره، وهرب آخرون منهم إلى خارج البلاد، إلا أن هؤلاء ما زالوا يحلمون بيوم يخرجون فيه من السجن، ويعودون إلى تركيا، ليستعيد الكيان الموازي نفوذه من جديد؛ لأن التنظيم الذي فشلت محاولاته السابقة، لم ولن يستسلم، بل يكرر المحاولة من خلال خلاياه النائمة وبأساليب مختلفة. ويبدو أن سرقة إرادة سكان إسطنبول كانت آخر محاولة للتنظيم قام بها، بالتعاون والتنسيق مع أطراف أخرى.

عدد كوادر التنظيم وأفراد عائلاتهم يصل إلى الآلاف، ولم يسجن منهم أو هرب إلى الخارج إلا من تورط في جرائم كبيرة، وافتضح أمره، والبقية تسعى إلى لملمة صفوف الكيان الموازي. وكون الحكومة مضطرة لمكافحة الكيان الموازي في إطار الدستور والقوانين، فهذا يحول دون سرعة محاسبتهم ومعاقبتهم كما ينبغي، ويشجعهم على الاستمرار في أنشطتهم السرية؛ لأنهم يعتقدون بأن أقصى عقوبة يمكن أن يعاقبوا بها هي السجن، ليتم إطلاق سراحهم بعد مدة أو ينالوا الحرية لمجرد إسقاط الحكومة.

تركيا كانت منذ انحيازها إلى معسكر الغرب والجانب الأمريكي خلال الحرب الباردة تدور في فلك واشنطن، الأمر الذي مكَّن هذه الأخيرة من التغلغل في البلاد. والانقلابات العسكرية التي شهدتها تركيا، منذ الانتقال إلى التعددية الحزبية في منتصف القرن الماضي، حدثت بعلم الولايات المتحدة وضوئها الأخضر. وحتى محاولة الانقلاب الفاشلة الأخيرة التي قام بها ضباط موالون للكيان الموازي قبل حوالي عامين، هي في الحقيقة محاولة إعادة تركيا إلى بيت الطاعة الأمريكي. ومن المتوقع أن تستمر واشنطن في محاولاتها من خلال فلول الكيان الموازي وخلاياه النائمة، وأذرعها الأخرى التي زرعتها في البلاد منذ منتصف القرن الماضي.

أزمة منظومة “أس 400” الروسية التي تشهدها العلاقات التركية الأمريكية؛ ليست بعيدة عن مساعي أنقرة للخروج من الهيمنة الأمريكية والتحليق نحو آفاق الحرية والاستقلال الكامل

أزمة منظومة “أس400” الروسية التي تشهدها العلاقات التركية الأمريكية؛ ليست بعيدة عن مساعي أنقرة للخروج من الهيمنة الأمريكية والتحليق نحو آفاق الحرية والاستقلال الكامل. وبغض النظر عن حاجة تركيا الماسة إلى هذا النوع من المنظومة الدفاعية لتعزيز قدراتها العسكرية في منطقة ملتهبة، فإن لب المشكلة يكمن في جواب هذا السؤال: “من الذي سيقرر ماذا يمكن أن تشتري تركيا وماذا لا يمكن؟”.

هناك دول كانت ترغب في شراء منظومة “أس400” الصاروخية من روسيا، إلا أنها تراجعت خوفا من غضب الإدارة الأمريكية. وتمارس واشنطن اليوم ضغوطا على تركيا أكثر مما مارست على تلك الدول، إلا أن أنقرة اختارت التصدي للضغوط الأمريكية ومواجهتها، بدلا من الاستسلام لها؛ لأنها تدرك جيدا أنها إن رضخت الآن أمام الضغوط الأمريكية فلن تتمكن غدا من القول لواشنطن “لا” في أي قضية.