نهضة أمة.. من حصار الربيع العربي إلى حصار قطر

ياسر ذويب

يعيش الوطن العربي اليوم فترة حرجة في تقييمه لتاريخه الحديث بعد مئة عام من وعد بلفور المشؤوم، الذي مثّل في شعور الأمة العربية والإسلامية أكبر تحدٍّ حضاري ووجودي للضمير العربي.

لم يكن هذا الوعد في المخيال العربي والإسلامي مجرد وعد استيطاني لمشروع استعماري معادٍ، بل كان في أساسه ضربا لوحدة المصير لدى ساكنة هذه الرقعة الجغرافية الممتدة من الخليج إلى المحيط، بكل ما لذلك تبعاتها السياسية والثقافية والروحية.

لقد كانت تلك وحدة مصير في مجابهة أمراض وعلل متشابهة لم يكن الاستعمار الاستيطاني في بداية القرن المنصرم إحدى سماتها فقط، بل كان يتعداها إلى آثار ما بعد هذا الاستعمار عند بداية الدولة الوطنية التي شكلتها نُخَب ما بعد الاستقلال، أو من كان في عداد طابور الامتداد الفعلي للإدارة الاستعمارية في تلك البلدان.

وقد زينها في ذلك طلاء الإحساس المزيف بخروج الاستعمار الظاهري، الذي كان يتمثل في وجود عسكري ظاهري على الأقل؛ إلى ما أسميه نكبة الاستعمار الداخلي.

وبذلك تبدأ القصة التراجيدية لنهضة الأمة التي حملت أحلامَها جموعٌ وأفراد من كل طبقات هذا الوطن العربي نحو حلم واحد، ألا وهو نهضة هذه البلاد والخروج الفعلي من استعمار العقول والنفوس إلى استقلال ثقافي وحضاري فعلي، يقطع مع وهم الخروج المادي للاستعمار الذي ساهمت فيه النخب الحاكمة، التي تولت الحكم بُعيد الخروج الظاهري للقوى الاستعمارية.

ففترة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي وإن حملت في طياتها أحلام الوحدة والعزة والكرامة، إلا أنه سرعان ما ذاب الطلاء الخارجي الذي كانت تتمسح به الأنظمة الثورية في ذلك الوقت، وعرتها تناقضاتُها الداخلية ونقائصُ غياب سلطة القانون واهتراء منظومة الحكم السياسية.

وقد عكس ذلك اختفاء المؤسسات المدنية أو على الأقل تراجعها أمام تغول المؤسسة الأمنية والعسكرية وتسييس أفرادها، واستئصال كل قابلية لتكوين كيان مجتمع مدني أو مجتمعات مدنية في الوطن العربي مع فوارق قد تتميز بها دول دون أخرى، إلا أنه عموما يبقى السمت الغالب في معظم البلدان العربية جامعا لها في رابطة أو جدلية تعكس التخلف والاستبداد والانهزام.

لم تكن الهزائم العسكرية أمام الكيان الغاصب إلا بداية انحصار لفكرة الأيديولوجيا القادرة على الجمع والتجنيد، لأنها ببساطة أضعفت الجبهة الداخلية ولم تثق بها، ولم تع أن الشعوب تحتاج إلى أن تثق في حكامها، وتحتاج كذلك إلى الشعور بأن سلطة القانون ومؤسسة الدولة -قبل أن تكون قوة غاشمة- هي قوة حامية لفردية ومواطنة الإنسان العربي.

فالعقد الاجتماعي والسياسي بين الحاكم والمحكوم يحتاج إلى أن يتوفر فيه عنصرا الأمن والأمان؛ أمن في حرمة المواطن العربي كإنسان قبل أن يكون رعية في الدولة التي ينتمي إليها، والأمان عبر شعوره بالثقة في أن هذا الوطن الذي يعيش فيه ليس طاردا لأحلامه في العيش الكريم، من رفاهية مادية واكتمال عناصر الرفاه الأدبي والروحي الذي هو مكمل لكيان المواطنة لديه.

لم تتحقق هذه الأحلام حتى بعد ارتفاع أسعار النفط في السبعينيات، بل أنهكت الحروب الداخلية أقاليم الوطن العربي التي كانت تستجيب آنذاك للصراع الأيديولوجي الدولي الذي أجّجته الحرب الباردة، ولذلك لم تر شعوب هذه الدول في طفرة أسعار النفط تحسنا في معيشتها، ولا حتى في ضمان أمنها المادي ناهيك عن أمنها السياسي والأدبي.

لقد حملت الشعوب العربية على عاتقها زيف الاستقرار الذي روجت له الأنظمة العربية، إلا أن تآكل شرعيات هذه الأنظمة الرسمية صاحبته أزمة اقتصادية وسياسية خانقة، مما جعلها لا تستجب لضرورات التغيير.

ولم يكن ظهور قناة الجزيرة سنة 1996 إلا نابعا من تقدير يفيد بأن أوضاع النظم العربية لم تكن عاكسة لواقعها، بل طاردة لضرورة التغيير الذي كان مطلبا شعبيا في الوطن العربي، وتزامنت ذلك مع ظهور كوادر سياسية جديدة في دولة قطر حاملة لفكر إصلاحي وثوري لهذا الوطن العربي.

ربطت قطر بين ضرورة الانفتاح على العالم بعيون عربية وحمل هموم قضايا الأمة، وفهمت أن الإصلاح وضروراته يمكن أن تقوده دولة ضمن النظام الرسمي العربي، بل إن واجب الأمانة فرض على صانع القرار القطري آنذاك الأمير السابق الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أن يحمل لواء الإصلاح الحضاري والثقافي والسياسي في منطقتنا العربية.

كان الإعلام إحدى ركائز هذا المد الإصلاحي، وكانت قناة الجزيرة حاملة لفلسفة الإعلام الجديد المنفتح على شعوب المنطقة، وحاضنة لطاقات عربية من مشارب مختلفة سياسيا وفكريا.

لم تكن الثورات العربية مفاجئة بل كانت محطة حتمية لهذا الزخم التوعوي الذي مثلته ثورة الإعلام العربي الجديد، وتعرّت فيه الأنظمة العربية الرسمية بتكلس أدواتها وإبقاء شعوبها على وتيرة الوهن المعرفي والسياسي، فانتفضت الشعوب العربية وسقطت أنظمة لم تعد قادرة على الحياة.

وهنا قد يُطرح السؤال عن تقييم سبع سنوات من الربيع العربي، وماذا جنت شعوبنا العربية من هذا الزلزال السياسي؟

لا أتصور -في تقييمي الشخصي- أن عمر الثورات والتحولات الفارقة في تاريخ الأمم تقاس بعدد السنوات؛ خاصة أن هذا التحول السياسي والحضاري -الذي بدأ سنة 2011- شهد حالات مدّ وجزْر عكست حجم التحديات والمخاطر التي مارسها أعداء هذا الانبعاث الحضاري للأمة، وتجلت في ثورة مضادة ليس على شعوبنا العربية فقط بل وحتى على أنظمة عربية باركت وشجعت تحرير شعوب منطقتنا.

ولذلك لا يمكن أن نفسر حصار دولة قطر الغاشم إلا من هذه الزاوية التحليلية الدقيقة، ولا يمكن أن نمر بدون أن نركز على فلسفة التخريب السياسي الذي تنتهجه الإمارات، والذي من خلاله شهدت الأمة بروز أطراف جديدة في لعبة الفساد السياسي والأدبي، اقترفت فيه كل المفاسد والافتراءات.

كما حاولت هذه الأطراف تشويه دولة قطر الشقيقة التي شهد القاصي والداني بتفرّد رؤيتها السياسية والحضارية، وبقيادتها لنظام رسمي جديد يخرج من تقليدية الرؤية في الفكر السياسي إلى مجابهة التحديات، بروح واثقة من نفسها ومن شعبها القطري والعربي.

لا أحد يستطيع أن يزايد على صانع القرار السياسي القطري الذي ضرب عُرض الحائط بكل المحاذير الذي وضعها النظام العربي الرسمي نفسه، من تردد وتغاض عن مساندة قضايا الأمة العربية والإسلامية، وعلى رأسها قضية العرب والمسلمين الأولى قضية الأقصى وفلسطين.

لا أحد يستطيع أن ينسى أو يزايد على قطر في أنها لم تنس غزة الجريحة والمكلومة بهمجية الاعتداء الإسرائيلي، والتي وجدت في مشاريع قطر الإحيائية والإنمائية يد الأمل في انبعاث الحياة في قطاعها المكلوم، إذ لم يتردد صانع القرار السياسي في قطر في دفع فواتير الحياة التي تتعدى فاتورة الكهرباء في قطاع غزة بل في كل فلسطين.

كل هذه السياسات الشريفة -التي قدمتها قطر- أثارت عليها دولا عربية تشارك قطر الجيرة والتاريخ المشترك، فقررت بكل صلافة أن تفرض -في سابقة لم يعرفها تاريخ المنطقة- أول حصار لدولة عربية شقيقة في شهر رمضان، وهو حصار سقطت فيه كل معايير الأخلاق والأعراف.

وبذلك تأكد فعليا أن هذا النظام العربي الرسمي لن يبقى طويلا حتى وإن رضيت عنه إسرائيل، وهو بذلك يؤكد أيضا -من حيث لا يدري- أن فكرة حصار دولة قطر لم تكن إلا امتدادا لحصار الربيع العربي.