هل تطلق أحكام معتقلي الريف في المغرب موجة ثانية من الحراك؟

لم يكن أحد من المراقبين لمحاكمة معتقلي حراك الريف يتوقع أن محكمة الاستئناف ستصدر أحكامها بتلك القساوة والشدة، خاصة وأن المغرب يعيش على إيقاع حراك افتراضي قوي على الفضاء الأزرق؛ أوقع أضرارا جسيمة ببعض لوبيات وجماعات المصالح، بل وأضعف نسخة مهرجان “موازين” الحالية بسبب نجاح المقاطعة الشعبية لفعالياته الحالية.

أحكام بلغت عشرين سنة بالنسبة لقائد الحراك محمد ناصر الزفزافي ورفاقه الثلاثة، و15 سنة لأربعة آخرين، فيما أدين الآخرون بأحكام تراوحت بين عشر وخمس سنوات.

أولى تداعيات هذه الأحكام برزت في تصاعد الاحتجاج في منطقة الريف، والإعلان عن إضراب عام شل مدن الريف مع احتقان أمني غير مسبوق، وتنظيم احتجاج في الرباط أمام قبة البرلمان، وأيضا في الدار البيضاء ومدن مغربية أخرى.

طبعا، هذه الاحتجاجات لا تعكس الصورة الحقيقية لمآلات الوضع بعد هذه الأحكام، فالجماهير وعوائل المحتجين لا تزال في طور استقبال الأحكام، ومؤكد أن أثرها سيأخذ مداه في الزمان والمكان، ولن يتوقف عند حدود هذه الاحتجاجات التي انطلقت.

أولى تداعيات هذه الأحكام برزت في تصاعد الاحتجاج في منطقة الريف، والإعلان عن إضراب عام شل مدن الريف مع احتقان أمني غير مسبوق، وتنظيم احتجاجات

بعض المكونات الحزبية والمدنية وبعض المثقفين؛ انتبهوا إلى مخاطر هذه الأحكام، وبعثوا برسائل إلى الدولة لتحذيرها من تداعياتها، وأنها يمكن أن تغذي أجواء الاحتقان، وتطلق موجة جديدة من الحراك الشعبي. لكن، الظاهر من أحكام القضاء، أن الدولة تريد أن تنتصر لمقاربتها الأمنية، وتوجه رسائل ردعية للمجتمع، وكونها لا زالت تتمتع بآليات الضبط والتحكم، وأن لا أحد يستطيع أن يزعزع هيبتها.

لكن مهما كانت هذه الرسائل، سواء من جهة الدولة أو جهة الناشطين في الريف، وحركة التضامن التي يتوقع أن تنطلق واسعة مع مظلوميتهم، فإن الظرفية السياسية التي يعيشها المغرب لا تسمح بهذا الاحتقان، ولا بخوض معركة كسر العظم من الجهتين. فالمغرب اليوم يعيش على إيقاع هشاشة كبيرة مست نسقه السياسي بسبب التدخل في مخرجات انتخابات السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2016، ومحاولة حرف مضمونها واتجاهها وإفراغ البعد المؤسسي فيها، وإيقاع هشاشة النسيج الاقتصادي الذي عجز عن مواجهة أول ضربة وجهتها له المقاطعة الشعبية، كما عجزت لوبيات المصالح عن إيقاف نزيف الضرر الذي أصاب شركات قوية ترمز لزواج “السلطة والمال” في المغرب.

فالمغرب اليوم يعيش على إيقاع هشاشة كبيرة مست نسقه السياسي بسبب التدخل في مخرجات انتخابات السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2016

ففي ظل هشاشة على هذا النحو، تمس السياسة والاقتصاد وتعرّي زواج السلطة والمال بالمغرب، لا يمكن لأحكام قاسية بهذا الشكل أن يعوَّل عليها لضبط المجتمع والتحكم فيه، وردع حراكه وفعالياته الاحتجاجية. فإذا كان المجتمع السياسي المنضبط بالسقف الدستوري والإطار القانوني والمؤطر بمنطق احترام المؤسسات؛ قد أعلن غضبه واستياءه من هذه الأحكام، وعبّر عن قلقه من أن تغذي أجواء الاحتقان وتدخل المشهد السياسي إلى المجهول، فإن مكونات الحراك، التي لا تأبه لأي تأطير دستوري أو سياسي، وتخاصم مكومات البيئة السياسية وتتمرد عليها، وتعتبر الحكومة آلية من آليات الاستبداد، وتعتبر الأحزاب السياسية مجرد دكاكين سياسية.. هذه المكونات التي هذه طبيعتها؛ لا يمكن أن يكون ردها شبيها ولا مماثلا لرد فعل المجتمع السياسي. والظن الغالب، أن موجة ثانية من الحراك ستنطلق على إيقاع هذه الأحكام. ولا شك في أن قيمة الوفاء التي تعرف بها منطقة الريف ثقافيا ستكون مؤطرة لهذا الحراك المتنامي.

صحيح أن التقاضي لا يزال في درجته الأولى، وأن هناك درجات أخرى يمكن الالتجاء إليها لاحتواء الموقف، لكن بالنسبة لحراك الريف، فإن رسالة الدولة التقطت، وأن استمرار الشد والجدب سيكون عنوان التفاوض الضمني بين الطرفين. فالدولة تملك خيارات عديدة لاحتواء الملف، والملك على وجه الخصوص يملك سلطة العفو والإفراج الشامل؛ الذي من شأنه المصلحة وطي الملف بالكامل. لكن بالنسبة للدولة، فهيبتها تأتي قبل ذلك، وجزء من هيبتها إن لم يكن كله؛ يتحقق في بداية نفاذ الأحكام، قبل التداعي لبحث خيارات الانفراج.

الدولة تملك خيارات عديدة لاحتواء الملف، والملك على وجه الخصوص يملك سلطة العفو والإفراج الشامل

أما بالنسبة للحراك، فعدالة القضية أولا. فنشطاء الحراك يعتقدون – كما صرحوا بذلك أكثر من مرة وفي أجوبتهم في المحكمة – أنهم لم يفعلوا أكثر من أنهم دلّوا الملك على الذين تسببوا في تعطيل مشروع “الحسيمة منارة المتوسط”، وأن زلزال محمد السادس السياسي الذي أصاب الوزراء، كان بفضلهم، ويشهد على عدالة مطالبهم، وأنهم لم يكونوا انفصاليين، وإنما محتجين شرفاء؛ احتجوا على إخراج مدينتهم من مربع التنمية، بفعل مسؤولين مقصرين تم إيقاع العقوبة بهم بالعزل والإقالة والتوبيخ من طرف أعلى سلطة في البلاد.

ولذلك، تقدير الموقف أن صراع الشد والجدب سيستمر لبعض الوقت، ويمكن أن يعيد المعادلة السابقة التي كانت الدولة تطلب فيها التهدئة لإحداث جو من الانفراج باسم الحفاظ على هيبة الدولة، بينما كان الحراك يطلب الإفراج عن المعتقلين قبل الاستجابة لأي طلب للتهدئة، فانتهى الموضوع إلى تحكيم المقاربة الأمنية والانتصار لهيبة الدولة، ووصل الملف إلى المأزق، أي إلى نفس النقطة التي كانت الدولة تحتاج فيها إلى وسطاء للخروج من الأزمة.

صراع الشد والجدب سيتمر لبعض الوقت، ويمكن أن يعيد المعادلة السابقة التي كانت الدولة تطلب فيها التهدئة لإحداث جو من الانفراج باسم الحفاظ على هيبة الدولة

نعيش اليوم على الإيقاع ذاته.. الوسطاء اليوم تكلموا قبل أن يطلب منهم ذلك، فجهات سياسية ومدنية ومثقفون وإعلاميون يحذرون من تداعيات هذه الأحكام على الوضع، بينما الحكومة لا تعلق على أحكام القضاء، ولا تريد أن يكتب عليها أنها تتدخل فيه، والمؤثرون في القرار السياسي- بدون فهم لطبيعة السياسة والحراك معا – يتطلعون لانتصار لغة الضبط والتحكم في المجتمع باسم هيبة الدولة، والفاعل السياسي الأكبر يراقب الوضع لحظة بلحظة، ويمتلك الفرص والمناسبات الكثيرة في صيف هذه السنة للتدخل لطي الملف، والتوقيع على نهاية الاحتقان بإعمال العفو الملكي أو الافراج الشامل على المعتقلين، أو إعمال سياسة نصف نصف، بالإفراج عن البعض وترك البعض لفرصة قادمة كجزء من معادلة إدارة الانفراج مع ناشطين يتمتعون بقدر عال من العناد النضالي.