هل “راجعت” الجماعة الدين؟!

 

بقلم: حفيظ زرزان

كثيرا ما رميت جماعة العدل والإحسان بالبدعة ممن يختلفون معها من داخل نفس المرجعية، وباختلاق أمور في الدين، ومقابل ذلك يطالب دعاة العصرنة بضرورة تنقيح النصوص، وتثويرها، وتنويرها وإعادة مراجعتها، وهناك من يعادي الدين ويجافيه إما إلحادا، أو تماشيا مع الموجة، أو لما ساد دوليا وللنزعة الماركسية العلمانية التي سكنت البعض قبل أي نقاش أو كلام. في هذه المحاولة مقاربة للموضوع فيما يخص أحد أقوى التيارات الإسلامية بالمغرب، ونعني جماعة العدل والإحسان، ونظرتها للتجديد والمراجعة. فما معنى التجديد وهل هو تغيير للدين وثوابته؟ “ومن يجدد، وبم يجدد، وكيف يجدد…”

في كتاب المنهاج النبوي للأستاذ عبد السلام ياسين أحد رموز الحركة الإسلامية المغربية رحمه الله، الذي وضع فيه مختلف أو بعض معالم التصورات والمبادئ العامة، التربوية، التنظيمية، السياسية والفكرية للجماعة. في فصل تجديد الدين والإيمان، يورد الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله ثلاثة أحاديث رئيسية لرسول الله عليه الصلاة والسلام في كيفية تجديد الإيمان والدين، ليخلص إلى: “أن الإيمان يبلى فيجب تجديده، يضعف فتتعين تقويته وأن الأمة تكلؤها عناية الله فيبعث سبحانه لها من يجدد لها دينها، وأن الإيمان يعالج من بلاه وضعفه بطب موصوف لا لبس في كنهه وماهيته ووسيلته.

ويضيف مبرزا موطن التجديد وأساسه الفردي:” موطن الإيمان القلب، بل هو منطلق الإيمان. فإن خبت بواعث الإيمان في القلب بطل العمل ونطق اللسان نفاقا. ومتى قوي الإيمان في القلب بتجديده اشتدت بواعث العمل الصالح.”

فيوضح التجديد المطلوب الجماعي للأمة :”هو تجديد بواعثها لتقوم، أفرادا تجدد إيمانهم بالتربية، وجماعة تجددت قوتها بتجدد بواعث أعضائها الإيمانية، بواجب التغيير واقتحام العقبة.”

1- هل التجديد مراجعة وتغيير للدين في ثوابته؟

يجيب الإمام عبد السلام ياسين:” ليس التجديد تغييرا للثابت من شرع الله، فإن أحكام الكتاب والسنة ماضية إلى يوم القيامة…الاجتهاد ضروري لتكييف حياة العصر مع شرع الله، فهو تسليم العصر لا عصرنة الإسلام.”

هناك ثوابث، وهناك اجتهاد لأسلمة العصر، لا العكس إذن !

2- فمن يجدد؟

” كما نرجوه جلت عظمته أن يستعملنا لنكون من هذا المن الذي يجدد الله به الدين للأمة. فرأينا أن «مَن» المذكورة في الحديث قد تعني شخصا بعينه كما تعني جماعة يتعاونون على إحقاق الحق بعد إبطال الباطل.

3- بم نجدد؟

فحملة المشروع، زادهم لا إله إلا الله، كلمة مجددة على اللسان، يكثرون منها. والإكثار لم يعين حده. ونرى أن المئات من المرات لا تكفي، يلزم حملة المشروع من لا إله إلا الله آلاف المرات…

4- بمن وكيف نجدد؟

أ‌- المؤهلون للإحسان:

في فقرة إسلام وإيمان وإحسان:” …ثم لا بد لنا عند التربية أن ننتظر ثمرة التربية، وهي ارتقاء أصحابنا من إسلام لا يتميز عن عامة الناس، إلى إيمان يتكامل فيؤهلهم للدخول في الصف، ثم يتكامل فيؤهلهم للجهاد في الصف، ثم ترق ثالث يرفع ذوي الاستعداد من رجال الصف إلى مرتبة الإحسان.

نستشف من هذا الكلام أن الترقي بميزان المنهاج النبوي، من إسلام إلى إيمان يبدأ بالدخول في الصف، ثم العمل من داخله، ثم من بين رجالاته ومن ذوي الاستعداد، هناك تأهيل لمرتبة الإحسان.

فاقتحام العقبة حسب الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله ترق وصعود من إسلام لإيمان لإحسان.

ولمفصلية هذا المفهوم في التصور العام للجماعة، وفي صقل شخصية حملة المشروع، يزيده وضوحا وتأكيدا، محذرا من أن يرتخي فيهوي بالمرء إلى النفاق:” لكن سعي كل واحد منهم لاستكمال إيمانه فالترقي إلى مرتبة الإحسان أمر أساسي بدونه ترتخي الصلة بالله عز وجل وتفتر، فلا مفر لها إن فتر شوق العبد إلى ربه وحب لقائه إلا دركات النفاق.” نعوذ بالله.

ب‌- حملة المشروع النموذج والعبودية:

يكمل الإمام عبد السلام ياسين مواصفات حملة المشروع، والمطلوب منهم:”…يتقن أعماله العبادية والجهادية والمهنية حتى يكون نموذجا. وهذا إحسان ينتظر من كل المؤمنين.

ثم يزيد :”ومن العباد من يكون إحسانه مع إحسان الإتقان موقفا دائما أمام الله عز وجل، ذكرا لجلاله وحضورا معه ومع أمره وشريعته، وشوقا إلى النظر إلى وجهه، وحبا للقائه والموت في سبيله. أولياء الله درجات، والولاية الكبرى، ولاية فتح البصائر ونورانية الشهادة بين الناس بالقسط درجة خاصة يصطفي الله لها من يشاء من عباده.

وعن العبودية وعن لب وروح القومة ومغزاها يردف:” لكن الوقوف على الباب، والتذلل بين يدي رب الأرباب من كسب العبد. فيجب وجوبا أكيدا أن يربى جند الله على لزوم باب العبودية، امتثالا حريصا دقيقا لأمر الله عز وجل، ومناجاة له، وحضورا قلبيا عند ذكر اللسان وخارجه، حتى يصبح العبد المؤمن ذاكرا ربه، قائما بين يديه لا يفتر. على هذا يتوقف نجاح القومة الإسلامية، وهذا القيام بين يدي الله عز وجل هو لب القومة ومغزاها وروحها.”

ت‌- هل هناك علاقة بين التحصيل العلمي ومقامات الإحسان:

الجواب: ” كلا والله! إنما الكمال الاختصاصي وراثة لمقامات الإحسان. وهو اختصاص إلهي لا يدخل كسب العبد فيه إلا من حيث كون التحصيل العلمي الضروري والتربية يهيئان للدخول على باب دخل منه إلى حضرة القرب من أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

ث‌- ماذا ينبغي لحملة المشروع؟

ينبغي لجند الله أن يناجوا ربهم في الصلاة وفي أوقات الذكر بما علمنا سبحانه أن نطلب، وهو أن يهدينا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم. ومع المناجاة القولية إخبات في القلب وتذلل، واستفتاح لأبواب رحمته، يختص برحمته من يشاء، ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم وإذا أحبك ألهمك الطلب.

في فقرة تجديد الإيمان، يكرر أن على حملة المشروع لا يكفي أن يكونوا من المسلمين، بل من المومنين، ومن الواجب في حقهم السعي لمراتب الإحسان.

وينبه أن الاختيار “لمقام الإحسان” ليس بشريا.

فيلح على ضرورة الطلب والسعي وترك الأمر لله تعالى:” ولأن الإحسان درجة خاصة واصطفاء، ينبغي أن يتوق إليهما كل المؤمنين، لكن تعيين أصحابهما ليس من اختصاص البشر.”

بعدها يوضح أكثر: “ولابد من مواصفات يعرفون بها، وتربية تحملهم على المسؤولية وتنظيم للتنفيذ، وقانون يضبط السير.

فيشير انطلاقا من الحديث لهذه العلامات الثلاث العامة الرئيسية :1- الإكثار على المستوى الفردي من لا إله إلا الله. 2- أولى ثمراته الظاهرة داخل وخارج الصف: الحياء 3- ومن تجلياته أيضا: إماطة الأذى عن الطريق داخل وخارج الصف.

ثم يوضح أسبابه ومنطقه في معالجة و إعادة قراءة وترتيب شعب الإيمان بما يناسب وقتنا وزمننا والتجديد المرجو.

ج‌- خاتمة:

كيف يحصل المرء خصلة الصحبة والجماعة؟ وكيف تكون الكينونة داخل الصف؟ وكيف تحصل شعب الإيمان لتكون دعوة الله جماعة وتنظيما منصورة غالبة؟

“فحصول الإنسان في مرحمة الجماعة، باكتشافه أخوتها الدافئة الرفيقة الباذلة الحنون، يحصل الخصلة الأولى: الصحبة والجماعة، ثم يترقى من خصلة إلى خصلة حتى يحصل الخصلة العاشرة وهي: الجهاد. وبذلك تكون تربيته تمت، وكينونته في التنظيم استوثقت. وبتحصيل حملة المشروع جماعة لفضائل شعب الإيمان يكون التنظيم قد استوفى الخصائص.”

ويضيف رحمه الله :”إن شعب الإيمان، كما يدل على ذلك المعنى اللغوي لشعب، روافد يتألف منها نهر الإيمان. فإن تصورناها خيوطا إيمانية تربط العبد بربه فهي تكون، إن فتلت وأتقن تأليف رجالها حتى أصبح خلقهم القرآن، حبل الله المتين الممتد من السماء رحمة إلى الأرض، حيث تظهر عملا حكيما وجهادا مجددا.”