هل ستكون روسيا بديلا للفلسطينيين عن أميركا؟

منذ انطلاق مؤتمر مدريد في نوفمبر/تشرين الثاني 1991؛ بقيت العملية التفاوضية على المسار الفلسطيني/الإسرائيلي في قبضة الاستفراد الأميركي، فما أن انطلقت المفاوضات الثنائية بين الوفود العربية والإسرائيلية بواشنطن حتى اتضح أن أميركا استطاعت تهميش دور الاتحاد السوفياتي -ثم روسيا الاتحادية التي ورثته- في رعاية مؤتمر مدريد والمسارات التفاوضية التي انبثقت عنه.

وشكَّل ذلك في المحصلة خسارة للمفاوضين الفلسطينيين والعرب ككل، فرغم وجود العديد من الملاحظات فقد لعب الاتحاد السوفياتي وروسيا الاتحادية بعده دوراً سياسياً في رفض السياسات التوسعية الإسرائيلية المدعومة أميركياً.

دور مطلوب

وبالتزامن مع العديد من حالات الاستعصاء التي مرَّت بها العملية التفاوضية، بمساراتها ومحطاتها المختلفة؛ كانت تبرز دائماً مراهنات فلسطينية على دور روسي -إلى جانب آخر أوروبي- لانتشال المفاوضات من مأزقها، وإعادة تصويب مسارها وإعطائها قوة دفع للانطلاق من جديد.

غير أن كل المراهنات ذهبت أدراج الرياح لأسباب مختلفة، منها ما يتعلق بمدى دينامية السياسة الروسية وقدرة موسكوعلى تأمين روافع لها، وطبيعة تلك السياسات ومحدداتها، وأسباب أخرى تتعلق بالنهج التفاوضي الذي اتبعه الفريق الفلسطيني المفاوض في إدارة العملية التفاوضية.

هذا فضلاً عن التحولات العميقة التي وقعت في المواقف العربية والإقليمية حيال إسرائيل، إثر التوقيع على اتفاق أوسلو في سبتمبر/أيلول 1993، وانعكاس ذلك على الصراع الفلسطيني/الإسرائيلي، ومكانة القضية الفلسطينية في خريطة التحالفات الدولية والإقليمية.

وأمام حالة الموت السريري -الذي تعيشه المفاوضات منذ سنوات وانسداد أفقها- وقرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب “الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إليها”، وما ترتب عليه من رفض قيادة السلطة الفلسطينية للمشاركة في أي مفاوضات برعاية أميركية أحادية؛ بدأت السلطة الفلسطينية فصلاً جديداً من فصول المراهنات على دور روسي جديد.

وتؤيد السلطة ان يكون هذا الدور بمثابة رأس حربة لكسر الاستفراد الأميركي، وبدورها أطلقت موسكو إشارات إيجابية لقبولها لعب دور في رعاية المفاوضات، آخرها إعلان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف -أمام منتدى فالداي الدولي للحوار (19 فبراير/شباط 2018)- أن بلاده “مستعدة لاستضافة محادثات سلام بين فلسطين وإسرائيل دون شروط مسبقة”.

وكان لافروف قد شدَّد -في تصريح سابق- على أن “موسكو كانت تعمل دائماً بشكل جماعي، في إطار اللجنة الرباعية الدولية، ولم تسع يوماً للانفراد بتسوية هذا الملف”، وأكد أيضاً “عدم قدرة أي دولة منفردة على حل هذا الملف”.

ونقل رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس الرهان إلى مجلس الأمن الدولي، في الجلسة الخاصة التي عقدها المجلس (20 فبراير/شباط 2018)، حيث ألقى كلمة دعا فيها لعقد مؤتمر دولي للسلام منتصف العام الجاري، يكون من بين مخرجاته “تشكيل آلية دولية متعددة الأطراف تساعد الجانبين في المفاوضات لحل جميع قضايا الوضع الدائم”.

موقف ثابت

كانت روسيا حاضرة في الخطة التي قدمها عباس، باقتراحه أن يكون المؤتمر الدولي للسلام على غرار مؤتمر باريس، أو مشروع المؤتمر في موسكو كما دعا له قرار مجلس الأمن رقم 1850، فضلاً عن دور روسيا كعضو دائم في المجلس وطرف رئيسي في “الرباعية الدولية”.

إلا أنه بالتدقيق في بنود خطة عباس، ومقارنتها مع التصريحات الروسية بشأن طبيعة الدور الذي يمكن لروسيا أن تلعبه لإعادة إحياء المفاوضات على المسار الفلسطيني/الإسرائيلي؛ يمكن القول إن خطة عباس تهدف إلى إعادة بناء العملية التفاوضية من داخل الأسس التي بُنيت عليها في مؤتمر مدريد واتفاق أوسلو والاتفاقات التي ألحقت به.

بينما تؤكد موسكو “ثبات موقفها الداعي للتسوية عبر المفاوضات المباشرة بين إسرائيل والفلسطينيين دون شروط مسبقة”، كما ورد في بيان صدر عن الخارجية الروسية بعد محادثات أجراها ميخائيل بوغدانوف نائب وزير الخارجية الروسي مع ألونا أوشليزا نائبة المدير العام للخارجية الإسرائيلية (20 فبراير/شباط 2018).

وتجديد موسكو لموقفها هذا -في بيان روسي/إسرائيلي مشترك- يشير إلى أن روسيا تأخذ بعين الاعتبار الاشتراطات والملاحظات الإسرائيلية في الدور الذي يمكن أن تضطلع به على صعيد المسار التفاوضي الفلسطيني/الإسرائيلي، وهو ما يعني عملياً أنها ليست في وارد دعم مطلب إعادة بناء العملية التفاوضية، ولو جزئياً وتحت سقف أسس مؤتمر مدريد واتفاق أوسلو وملحقاته.

والحال هذه؛ فإن دعوة روسيا لاستضافة مفاوضات فلسطينية/إسرائيلية ورعايتها، أو تنظيم واستضافة مؤتمر دولي للتسوية؛ لا ترقى إلى مستوى ما طالب به عباس في خطته أمام مجلس الأمن.

بل من الصعب الاعتقاد أن الدعوة الروسية ربما تكتسب صفة رعاية تعطي نموذجاً مغايراً للنموذج الفاشل الذي قدمته واشنطن، على مدار ما يقارب 26 عاماً من متوالية المفاوضات العبثية، لأن ما تطرحه روسيا لا يعدو كونه توفير مكان للمفاوضات، وليس تصويب مسارها بوضع أسس لها يمكن أن تقود إلى مخرجات تضمن تسوية شاملة ومتوازنة للصراع الفلسطيني/الإسرائيلي.

كما أن الدعوة الروسية لا تستند إلى رؤية خاصة سبق أن طرحتها موسكو لتسوية الصراع، وتتقاطع بدرجة كبيرة مع “مبادرة السلام العربية”، وتستجيب لمطالب القيادة الفلسطينية وفريقها المفاوض. فالمطروح روسياً الآن استضافة “مفاوضات مباشرة دون شروط مسبقة”، وهذا يجعل مستبعدا حصول القيادة الفلسطينية على الدعم العملي المطلوب لكسر الاستفراد الأميركي.

ومراجعة سريعة ومكثفة للمواقف الروسية تبين أنها شكَّلت امتداداً للموقف السوفياتي في مؤتمر مدريد بخط بياني متأرجح؛ ففي ذلك المؤتمر حدَّد وزير الخارجية السوفياتي آنذاك بوريس بانكين رؤية بلاده لأسس تسوية قابلة للحياة.

وتستند هذه الرؤية إلى ضرورة الوقف الفوري للاستيطان الإسرائيلي بالأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة عام 1967، وانسحاب إسرائيل من هذه الأراضي، واعترافها بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وقبولها بمبدأ “الأرض مقابل السلام”.. إلخ.

منطق المصالح

لكن الملاحظة الرئيسية على الرؤية السوفياتية حينها هي أنها أشارت لتلاقٍ جزئي بين وجهتيْ النظر السوفياتية والأميركية على وضع خاص لتسوية ملف القدس، مختلفٍ عن وضع باقي الأراضي الفلسطينية المحتلة 1967، وشطب القرار الدولي 194 من مرجعيات حل قضية اللاجئين الفلسطينيين.

وذلك إما برفضه قطعياً (رأي الولايات المتحدة)، أو إعادة تكييفه لينصرف إلى ترجمة بحل متفق عليه يعتبر بمثابة تطبيق له (رأي الاتحاد السوفياتي والمجموعة الاقتصادية الأوروبية)، وفي ظل ميزان القوى المختلّ والتعنت الإسرائيلي/الأميركي في كلتا الحالتين فإن النتيجة واحدة: شطب مرجعية القرار 194.

وقد شهدت السياسة الخارجية الروسية في السنوات الخمسة الأولى بعد انهيار الاتحاد السوفياتي تراجعاً كبيراً، فاتبع وزير الخارجية الروسي آنذاك أندرية كوزيريف -الذي استمر في منصبه حتى عام 1996- سياسة موالية كلياً للغرب وتتعارض مع المصالح الروسية العليا.

وأثر ذلك سلباً على موقف روسيا من الصراع الفلسطيني/الإسرائيلي، وبعد إقالته وتولي يفغيني بريماكوف وزارة الخارجية استعادت السياسة الخارجية الروسية توازنها نسبياً، واستمرت في هذا الاتجاه حقبة خلفه إيغور إيفانوف (1998 – 2004)، الذي خلفه سيرغي لافروف وما زال يشغل المنصب حتى الآن.

إلا أن تغيرات كبيرة وجوهرية طرأت تدريجياً على السياسة الروسية تجاه الصراع الفلسطيني/الإسرائيلي، فقد بنت روسيا علاقات سياسية وطيدة مع إسرائيل، وباتت تقدم نفسها طرفا محايدا يسعى ليكون شريكاً في “الرباعية الدولية”، على أساس “خريطة الطريق الدولية” والقرارات الدولية ذات الصلة، مع تقييدها بمقولة “تسوية متوافق عليها بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي”.

وبانخراطها في خطة “خريطة الطريق الدولية” اتخذت السياسة الروسية مساراً متراجعا مرة أخرى، فالخطة مثلا لا تضع تصوراً واضحاً ومحدداً لطبيعة الحل النهائي، وتكتفي بالحديث العام عن “قيام دولة فلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل”.

كما أن منهجية الخطة مبنية على حلول انتقالية دون تحديد سقف زمني لإنجازها، وتضع قضايا اللاجئين والقدس والحدود في إطار “حل تفاوضي ثنائي”، لا يستند بالضرورة إلى القرارات الدولية ذات الصلة. ولاحقاً؛ لم ينتج عن الحراك الدبلوماسي الروسي -على أبواب “لقاء أنابوليس” (عام 2007)- تطور عملي في الدور والموقف الروسي، حيث ثبت مرة أخرى أن روسيا لا تمتلك روافع لسياستها.

فسعي روسيا حينذاك لفتح أجندة “لقاء أنابوليس” كي تستوعب كل جوانب الصراع العربي/الإسرائيلي، وتحريك العملية السياسية والتفاوضية على كل المسارات بالتوازي (الفلسطيني/ السوري/ اللبناني)؛ اصطدم بتلكؤ الأوروبيين في دعم روسيا، ورفض أميركا وإسرائيل عقد مؤتمر دولي للسلام تحت مظلة الأمم المتحدة.

وكان من الممكن العمل على تطوير الموقف الروسي لولا الأخطاء الكارثية التي ارتكبها الفريق الفلسطيني المفاوض، الذي وضع العملية التفاوضية في السلة الأميركية، وكذلك تراجع الاهتمام الرسمي العربي بالقضية الفلسطينية، وأخيراً وليس آخراً هرولة حكومات عربية للتطبيع مع إسرائيل.

وفي مقدمة هذه الحكومات النظام السعودي الذي تؤكد التسريبات أنه ضالع فيما يسمى “صفقة القرن”. هذا بالإضافة إلى أن العرب لم يبنوا شبكة مصالح سياسية واقتصادية وازنة مع روسيا، تؤثر على مركز صنع القرار فيها.

ولذلك، وبناء على ما سبق؛ فإن المراهنة على دور روسي لكسر الاستفراد الأميركي مراهنة غير واقعية، على ضوء التجارب الماضية. وتغيير المعادلة يتطلب تغييراً جوهرياً في أداء ومنطلقات القيادة الفلسطينية، ووقف تداعي الموقف الرسمي العربي، كشرط لحشد موقف دولي داعم لإعادة بناء المسار التفاوضي الفلسطيني جوهرياً على أساس القرارات الدولية ذات الصلة.

وعندها فقط تمكن المراهنة على أن تلعب روسيا دوراً فاعلاً ومختلفاً، مع ما يتطلبه هذا من توفير مقومات أخرى يفرضها ميزان المصالح المتبادلة.