واقع الدعاة بعد “موقعة الدجاج”

لم تهدأ بعد ردة الفعل العنيفة التي قابل بها نشطاء الفضاء الافتراضي الومضة الإعلانية الأخيرة للداعية المصري عمرو خالد وهو يروج للحم الدجاج عبر فضائية شهيرة. ردة الفعل العنيفة والهائلة لم تكن متوقعة وإلا لما كان الداعية والشركة التي يروج لمنتوجاتها أقدما على المغامرة الإشهارية التي انقلبت وبالا على المنتج والمنتوج والمروج.

“موقعة الدجاج” كما اصطلح عليها نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي تكشف عن أمرين أساسين لا ينفصلان. أما الأول فهو استقرار الخطاب الديني عند جماعة الدعاة الجدد أي أن الداعية لم يغير خطابه ولم يتغير.

أما الأمر الثاني فيتمثل في تطور الوعي الشعبي الذي تعبر عنه وسائل التواصل الاجتماعي بما هي في الغالب الأعم منابر حرة لم تستطع المخابرات العربية والمؤسسات التابعة لها التأثير فيها أو كبح جماحها وتحقيق رقابة فعلية عليها.

نحن إذن أمام معطيين متقابلين: خطاب قائم مستقر يعمل بآليات محددة ويتحرك ضمن أفق معلوم وفي الجهة المقابلة نجد وعيا متحركا يتجه تصاعديا بنسق سريع لا يكاد يتوقف. هذا الوضع الجديد يفرض أولا البحث في ظاهرة الدعاة نفسها .

تشكل ظاهرة الدعاة ظاهرة جديرة بالقراءة والتأمل اليوم وهي تستقي هذه الأهمية من جملة الوظائف المنوطة بالجماعة المترجمة لفعل الدعوة بما هو فعل راسخ في الموروث الحضاري وفي الفعل العقائدي الموصول رأسا بفجر الدعوة نفسها.

ظاهرة الدعاة الجدد ارتبط صعودها الكبير بانفجار أدوات التواصل وخاصة منها الفضائيات وأدوات التواصل الاجتماعي التي اكتسحها جماعة الدعاة اكتساحا سريعا بفضل الدعم المادي السخي الذي رصد لهم.

بسرعة كبيرة استقر الدعاة في المشهد الإعلامي العربي وتحولوا إلى منصات ثابتة تعمل على ترسيخ فكر معين يحمل خصائص معينة ويرمي إلى أهداف معينة لا تنفصل كلها عن الشروط التي دفعت عراب الدعاة إلى خلق الظاهرة نفسها وإلى النفخ فيها. هذا الخطاب الجديد يتأسس رأسا على النص الديني وعلى المرجعية العقائدية الإسلامية المحافظة التي يعمل – أو هكذا يدعي – على نشرها لمواجهة التيارات الفكرية الأخرى من تيارات لبرالية وعلمانية ويسارية وقومية.

لكن عنصرا جديدا قلب معادلة الوعي العربي الاسلامي وفرض قسريا غربلة النخب العربية بما فيها منظومة الدعاة وهو سياق ربيع الثورات الذي حدد ردود أفعال المجموعات الفكرية العربية.

لم تصمد جل النخب العربية أمام موجات الربيع وثوراته السلمية وسقطت المرجعيات الفكرية واحدة تلو الأخرى أمام امتحان الشارع وموجات الفعل الثوري. سقطت المرجعيات القومية التي اصطفت إلى جانب النظام الاستبدادي في ذبح الجماهير وقمع مطالب الحرية بالحديد والنار مثلما حدث في مصر وفي ليبيا وفي سوريا مثلا.

كما تهاوت المرجعيات اليسارية التي انكشفت جزءا لا يتجزأ من البناء الاستبدادي العربي وارتباطاته الخارجية وتنكرت لكل الشعارات التي رفعتها طوال عقود منادية بالعدالة الاجتماعية وبالحرية.

لم تصمد النخب اللبرالية كذلك لارتباطها الوثيق بالنظام الرسمي العربي لكنها استطاعت بسرعة كبيرة مساعدة النظام المترنح على الثبات وقادت موجات الثورات المضادة معتمدة على شيطنة الثورات ووسمها بالإسلامية والتطرف ولاحقا بالإرهاب.

في هذا الخضم المتراكم من التداعي الحر والسقوط المريع للنخب العربية ومرجعياتها الفكرية أمام أول امتحان حقيقي لصدقية خطابها كانت الصدمة الكبيرة أمام ردود أفعال المجموعات المحافظة المعتمدة على المرجعية الدينية.

لا تقتصر الصدمة فقط على تحالف بعض الأحزاب الدينية مع المشاريع الانقلابية مثل الجماعات السلفية كحزب النور في مصر مثلا ولا تقتصر الصدمة على الواجهات الفكرية الاسلامية التي تنكرت لمرجعيتها الاسلامية لوثيق ارتباطها بالأجهزة الأمنية بل كانت الصدمة الأكبر من موقف الدعاة من المجازر التي ارتكبت في حق الجماهير السلمية والتي تطورت إلى ممارسات انتقامية من الشعوب الثائرة نفسها.

سقوط الدعاة يندرج في هذا الإطار بل إنه تجاوزه مؤخرا إلى تشريع المشاريع الاستعمارية الجديدة مثل صفقة القرن ومصادرة الأقصى ووضع اليد الصهيونية على القدس.

لن نتوقف عند تصريحات الدعاة الأخيرة التي جمعت كلها بين تأييد الاستبداد العربي والتزلف للحاكم وتمرير المشاريع الاستعمارية التي تهدد مستقبل الأمة وترهن أجيالا بكاملها لصالح المطامع الخارجية.

لقد كان غالبية الدعاة مثل أغلب النخب العربية مشروعا استبداديا منذ نشأته فقد سخر الحاكم العربي الخطاب الديني لترسيخ حكمه بالسيطرة على الجماهير عبر خطاب ديني يؤسس لسلطته ويحمي عرشه من كل وعي جديد قادر على وضع شرعيته وشرعية حكمه على المحك.

لكن ثورات الربيع كانت حاسمة في التأسيس لوعي جماهيري جديد يقطع مع الوعي القديم الذي شكل الخطاب الديني نواته الأساسية وهو ما يهدد فعلا بنهاية حقبة كاملة من الخطاب الموجه.

نقف اليوم إذن أمام مرحلة حاسمة في تطور الخطاب الديني إعلاميا خاصة بعد ردود الفعل العنيفة التي صدرت عن الشارع العربي والاسلامي أمام المغامرات الأخيرة لممثلي هذا التيار.

وهي مرحلة تبشر بنهاية الشكل القديم للخطاب الدعوي وبانكشاف حجم التزييف الذي مارسه هذا التيار طوال عقود خاصة عندما يرفض منتسبوه الدفاع عن دعاة مثلهم رفضوا الاندراج في المشروع الجديد الذي يُرسم في المنطقة وزج بهم في السجون والمعتقلات والمنافي البعيدة.

المنطقة على عتبة مرحلة جديدة لن تلعب فيها المكونات القديمة نفس الدور رغم أنها ستحاول ذلك لكنها ستصدم بالوعي الجديد الناشئ والذي لن يكون مماثلا لسابقه خاصة من جهة وعيه بالدور الذي لعبته المكونات النخبوية القديمة في إجهاض ربيع الشعوب.