يوميات مفتـــــــش في البوادي (2) ” المفتش الطاشرون “

مدرسة الخلالفة تقبع في سفوح محاذية لجبال الريف ، الوصول إليها عبر كتامة يستلزم عبور ثلاثة جسور هشة .. تتعطل في الأيام الماطرة ، قصدناها يوم الخميس حيث تكون بعض وسائل النقل المحلية متاحة (لاندروفر) LANDROVER . حللت بها وهي عبارة عن حجرتين دراسيتين من البناء المحلي ؛ حجارة وقش ، الحجرة الأولى موضوع الزيارة تحتضن غلمانا متفاوتين في الأعمار من 6 إلى 13 سنة ، بعضهم يردد جماعة سورة قرآنية وبعضهم منهمك في الكتابة ، بينما آخرون تتجول أنظارهم بفضول إلى من حولهم .. أرضية الحجرة متربة اتخذ منها بعضهم متنفسا للركل والرفس .
وبينما أنا منكب على تصفح بعض الكراسات إذا بشخص ملتح يلج الحجرة في عجلة من أمره ، بادرني بلهجة أمازيغية لا تخلو من عتاب حاد : ” … إنها المدرسة .. ممنوع دخولها إلا التلاميذ والمعلم … من تكن حتى اقتحمت حرمة ..؟” ، بهدوء تام متحاشيا النظر إليه : ” .. جيب لي المذكرة اليومية ادْيالك ..” بمجرد سماعه للجملة أقبل علي مستعطفا : ” .. مع الأسف …آلأستاذ .. هدي 3 سنين ولا شيواح اسميتو المفتش .. اوْصل لهْنا ..دابا ..” هدأت من روعه وأنا أهم بالشروع في الاطلاع على أنشطة التلاميذ ؛ مكتفيا بالعبارة المألوفة لدي كلما كنت في زيارة مدرسة يوم السوق الأسبوعي : ” .. واشْ كاينْ شي احْديد .. ليكاوصّل للحسيمة ..؟” أجابني على التو :” .. آلأستاذ … اليوم الخميس كاينْ ارْكوب غيرْ .. لتارجيست .. لكن بكْري ..معا الواحدا دنْهار كايتْسلاو ..” .
لم أمض كثيرا من الوقت ، والحال أن السماء بدأت تتلبد بالغيوم والرياح شرعت تعوي في الشعاب والقمم … فغادرت في اتجاه سيارة مزنجرة LANDROVER ؛ هي الأخيرة التي ينتهي مسارها بتارجيست ، تقل سبعة أشخاص ؛ كان حظي أن أنحشرت إلى الخلف بين شخصين بدينين كلما خاضوا في حديث مع بعضهم إلا وقبضوا على لحيهم والتي كانت تنسدل معهم محاذية سبحات غلاظ تتوشح بها صدورهم وتمنحهم تجلّة ووقارا . التفت إلي أحدهم وهو يتأمل سحنتي ، وبعض الأوراق التي كانت تطل من محفظتي اليدوية فقال بلكنة محلية : ” … واشْ انْتا هو الطّاشرون ادْيال المدرسة ؟ ” أجبته بانحناءة رأس أي نعم .. لكن ما فتئ أن أصدر قهقهة معربدة ملتفتا إلي : ” .. كيفاشْ آلطاشرون …؟ والمدرسا مخربا … الحاصول الله انعل الّي يتيق فالمخْــ ..” لم يكُ ليتمها حتى أحسسنا بدوي كبير ، ارتعدت له فرائسي إيذانا بتحرك المزمجرة ، وإذا بصوت يناديني من الأمام : ” … آلأستاذ .. آلأستاذ آرا منْ تمّا واحدْ 15 دراهم ..”
صاحبي ؛ مرة أخرى أقبل علي بسؤال متحديا : ” … كيـــــــفاشْ …الطاشرون والأستاذ … كولْلشي مجموع فيك … بسم الله الرحمن الرحيم ؟ ” ، تدخل السائق لينقذ الموقف : ” آلفقير العربي محمد … وانيتا أقذ ارمفتش … نتعليم .. ثسناذ ..ولاّ لا ..؟” ، فلم يكن منه إلا أن اعتذر : ” آخيارْ … سعادة ارْمفتش … آخيار … صافي … صافي” ، قالها ثم لاذ بالصمت .
تحولت بنظراتي إلى خارج المركبة ، وهي تجتاز بنا مسالك وطرقا وعرة وسط أدغال مخيفة من أشجار العرعار .. التفت إلى الركاب فإذا هم نيام بعد أن أجهدهم الحديث ووعورة الطريق . نعم ذهبوا في نوم عميق ، حتى إن جليسي أخذ رأسه يترنح ذهابا وجيئة وهو يغط بشخير في تناغم تام مع دوي المحرك …. ناموا جميعا … أخذت أتأمل الشعاب فتواردت إلى خاطري صور من تاريخ المنطقة .. وكيف أمكن لمحمد بن الكريم الخطابي أن يدحر جيشا عرمرما من الإسبان الغزاة بمنطقة أنوال … كيف كان له أن يطارد فلوله ويتعقبها إلى مشارف الحسيمة …؟ حقا إنه تاريخ مجيد .. لكن لا أثر هنا مما يشهد عليه !