يوميات مفتـــــــش في البوادي (3) مكــــــــايْنا اقـــــــــرايا

صادف أن تجمعت لدي بطاقات تنقيط لأساتذة لم يخضعوا لزيارات تربوية منذ خمس سنوات ؛ ثلاثة منهم تابعون لمدرسة فرعية تقع حسب الخريطة المدرسية بنواحي إساغن التابعة لجماعة تارجيست آنئذ ، فاستقللت حافلة من الحسيمة إلى هناك وحللت بمركز إساغن حيث مقر إدارة المجموعة المدرسية ، وأفادني مديرها بأن الطريق إلى الفرعية وعر ومحفوف بالأخطار ، فضلا عن كون الغابة التي تكتنفها مأوى لقطاع الطرق وممرا لتهريب الحشيش . لكن ؛ وتحت إصراري على زيارتها ؛ اتصل المدير بقائد المنطقة في محاولة “لتأمين” زيارتي ، فأبلغني بأن القائد حريص على مقابلتي …
كان البرد قارسا وندف الثلوج ما زالت توشح أشجار غابة الصنوبر هناك . مكتب القائد فسيح ودافئ وحراس يغدون ويروحون .. وشخص نحيف لا يفتأ يزمجر ويزبد في هاتف يدوي للداخلية .. وبعينين جاحظتين حمراوين يعطي التعليمات تلو أخرى والزبد يتطاير من شدقيه … ودون مقدمات ولا عبارات الترحيب ولج إلى موضوع الزيارة مباشرة :
وبادرني قائلا بنظرات تشي بعدوانية مبطنة : ” … شوفْ آلأستاد .. احْنا باغيينْ نشوفو اوْلادْنا كيقراوْ …ولكن باغيين نيتْ نْشوفو الأساتدة واشْ خدّامين …ولاّ … ” فتدخل المدير : ” … آسعادة القايد … راه هدا علاشْ جا الأستاد … راه بغا يوْصل للمدرسة …ال” قاطعه القائد : ” … شوفْ آسّي .. البركاني أنتا .. فوقاشْ امشيتي لتمّا …؟؟”
المدير مذعورا : ” … آسعادة القايد … راهْ على بالكْ الطريق … والشتا .. وانا …”
قاطعه : وقد تحول عنا إلى هاتفه صارخا :” … ابْغيتْ… ابْغيتْ .. شي واحدْ يجي دابا بزّربا يدي شيناس يشوفو مدرسة الخلالفة .. ياالله اطلقْ …” فنهض واقفا متوجها إلي : ” … شوفْ آلأستاد … راها الطوموبيل .. جايّا لعندكم … سيرو تسنّاوها ..”
خرجنا ، ولم نمكث في الانتظار قليلا حتى أقبلت علينا سيارة مرسديس آخر موديل .. تلمع وتلمع .. وكأنها خرجت لحينها من المصنع ! ركبني الذهول لمشهدها فالتفت إلى المدير بنظرات تعجبية ، لكن سرعان ما أسر في أذني ” … آلأستاد … راكْ فبلاد الحشيش .. كلشي ممكن .. ” . صعدت السيارة إلى جوار سائقها ومالكها ببدلة هي الأخرى أشد نصاعة من السيارة ، وقد جلس المدير إلى الخلف جوار مقدم ومخزني موفدين من قبل القائد .. كنت أحبس أنفاسي وأنا ألاحظ الميرسديس تتوغل بنا في تلك الأصقاع غير مبالية لا بالحفر ولا بالبرك المائية ولا بالسواقي .. ولا حتى بطارئ قد يفسد علينا الرحلة .
ساد صمت مطبق ، لكن السائق نظر إلى المدير من خلال المرآة وخاطبه بلهجة مؤنبة : ” … شوفْ آسي .. البركاني قولْ المعلمين ادْياولاك ادخلو سوق ارْيوسهم .. مايبقاوش يحللو .. ويحرْمو ..” أقبل عليه المدير مستفسرا : ” … ياكْ لاباسْ آسّي الكتامي … آشْ ” رد عليه هذا الأخير : ” … هدا اجّامع مبنيّ … بالفلوسْ حرام ْ واشْ هدي هدرا …اتْقال للدراري …”
كان يتكلم مشيلا بيده اليمنى وبصري على خاتم مرصع بحجر براق بأصبعه الوسطى في حجم حبة خوخ ! ثم أضاف قائلا ملتفتا إلي : ” … إلى ماحشْموشْ راهْ كاين الدوا … وانا عادْ ولبارح … تعشّيت معا ادريس البصري فدارو ….واشْ …”
تململت في مقعدي وصدرت مني نحنحة ثم قلت : ” … كونْ هاني … آسّي الكتامي … دابا نتولى هدا القضية …” وختمت الجملة في أعماقي : ” …ادريس البصري كمْلتْ… !!صافي غادي ايدّينا كاملين فداهْيا ”
بعد مضي قرابة الساعة وسط غابة كثيفة انتحى الكتامي طريقا ضيقا أفضى بنا إلى حارة واسعة تتوسطها مباني لأقسام من البناء المفكك … ترجلنا ، وجعلت أتأمل المحيط علّني أعثر على أثر للحياة في هذه الربوع … لا وجود لتلاميذ ولا لكلاب تنبح .. ولا .. فقط مدخنة صغيرة تقذف بأدخنتها عنان السماء … حاولنا اقتحام حجرة دراسية فارغة … بدت من الداخل وكأنها ظلت معطلة عن العمل لشهور خلت ، حاولت فتح الدرج لمكتب خشبي هناك فلم أعثر داخله سوى على قضيب “السبسي” مع رأسين له (اشْقوفا) ، تحولنا إلى باب آخر فأخذ المدير يطرقه بشدة ونحن ننتظر من سيكون قاطنه …. وبعد انتظار مديد انفتح الباب وأطل من خلفه شخص يفرك عينيه وفمه فاغر اندرست أسنانه تقريبا … وجعل ينغنغ …: ” … آشْكونْ … آشْكونْ ” ؛ بادره المدير بصوت حاد : ” …. آسّي البلّوطي … واشْ ماكاينا اقرايا … كيفاشْ …؟” ، لم يكن بوسع هذا الأخير إلا أن صفق الباب بشدة على وقع كلمات معبرة : ” …. مكاينا اقرايا … سيرو ما زالا العطْلا …”