يمكن أن نقول لا لأمريكا

خلافا للواقع السياسي الفلسطيني الداخلي الذي لا نحسد عليه، فإن القضية الفلسطينية تسجل انتصارات وتحقق اختراقات على الصعيد الشعبي في العالم. ففي الأمس القريب، كان الاختراق السياسي كبيرا على صعيد حزب العمال البريطاني، في مؤتمره الأخير.
واليوم يمكن القول إن اختراقا جديدا وإن لم يكن بحجم الاختراق في بريطانيا، تحقق هذه المرة على الساحة الأمريكية نفسها حامية حمى إسرائيل والمنتصرة لها ظالمة أو مظلومة ـ ولم تكن يوما مظلومة ـ رغم القوانين التي تسن ضد الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة، وسلسلة القرارات الظالمة والإجراءات التعسفية التي اتخذتها وتتخذها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وآخرها الانسحاب من البروتوكول الإضافي الملحق، باتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، على خلفية الشكوى التي تقدمت بها دولة فلسطين، إلى محكمة العدل الدولية، تشتكي فيها إقدام إدارة الرئيس ترامب في 14 مايو/أيار الماضي، على نقل سفارة بلاده من تل أبيب إلى القدس المحتلة، وتنفيذ القرار بالاعتراف بها عاصمة للاحتلال.
نعم أمريكا ذلك النمر الورقي تخاف كغيرها ويمكن أن تتراجع عن قرارتها، ولا يغرنك تبجح رئيسها وتهديدات عصابته في البيت الأبيض. فقد كان ترامب محط استهزاء الدورة الـ73 للجمعية العامة للأمم المتحدة ولم يأخذه أحد على محمل الجد، سوى بعض الدول الخليجية، خصوصا السعودية، التي تسمح لهم بالتعامل معها كبقرة حلوب وبأسلوب فظ ومهين. وفي هذا السياق ينطبق عليهم في علاقاتهم مع أمريكا قول الشاعر «ما قال لا قط إلا في تشهده لولا التشهد لكانت لاؤه نعم» إنهم يستبيحوننا لأننا حذفنا حرف الـ»لا» من قواميسنا، فلماذا إذن لا يعاملونهم بهذه المعاملة المهينة ويدوسون عليهم أيضا.
معظم دول العالم باستثناء إسرائيل، في مواجهة معهم وهم يقفون عاجزين حائرين، ولن نبعد كثيرا فلنأخذ الموقف الفلسطيني الشجاع الذي تحدى أمريكا، ونطق بالكلمة السحرية (لا) وسط دهشتهم؛ فقط قالوا لترامب وزمرته لا لسياساتك المنحازة، ولا لصفقة القرن، ولا لقبولك وسيطا نزيها للسلام، فأنت لم تعد كذلك، تراجع عن هذه السياسات والقرارات تعود العلاقات معكم إلى سابق عهدها، اهتزت أو لنقل انزعجت أمريكا من هذا الموقف الصلب والحازم، فماذا كان بوسع هذه الدولة العظمى أن تفعل أكثر من قطع مساعداتها المالية، لا شيء. والأهم من ذلك بدأنا نلمس بعض التراجع عن المواقف السابقة، وإن ليست بشكل قطعي بإعلان ترامب خلال استقباله نتنياهو في نيويورك، قبوله بحل الدولتين وحديث سفيره الصهيوني ديفيد فريدمان عن هذا الحل الذي كان رافضا له.
إنهم خائفون من فشل مخططاتهم، وفي مقدمتها «صفقة القرن»، التي مصيرها الفشل بالتأكيد، وأصبحت بعد سنة من الحديث عنها، أميل إلى قناعة بأن هذه الصفقة غير موجودة أصلا، وأنها مجرد خدعة ابتدعها نتنياهو وسلمها للثالوث الصهيوني في واشنطن، المسؤول عن العملية السياسية، لأسباب عدة:
*أولا: إلهاء المنطقة بصفقة وهمية، بينما تواصل دولة الاحتلال فرض واقع جديد على الأرض عبر الإسراع في البناء الاستيطاني ومصادرة الأراضي والمنازل، لاسيما في القدس، ومنها البلدة القديمة التي استولى المستوطنون فيها قبل أيام على عقارين تاريخيين.
*ثانيا: ضرب ما يسمى بالمبادرة العربية في عقر دارها (السعودية) وقد نجحوا إلى حد كبير، وأصبحت هذه المبادرة نسيا منسيا عربيا.
*ثالثا: دفع بعض الأنظمة العربية لتجاوز الخطوط الحمر، والتطاول على القضية الفلسطينية وقدسيتها، ومحاولة تشويهها بتصريحات يطلقها مقربون من هذا النظام أو ذاك لجس نبض المواطن العادي، عبر تسريب معلومات عن تفاصيل صفقة القرن، واختزالها للحقوق الفلسطينية بدولة على 40% من الضفة وأبو ديس عاصمة لها، وفصل قطاع غزة عنها، من خلال تحسينات اقتصادية وإغراءات، كمطار وميناء أو بالأحرى ممر مائي مقابل تهدئة طويلة الأمد، تشمل وقف مسيرات العودة التي بدأت فعلا تؤرق دولة الاحتلال ومستوطنيها في غلاف غزة عبر الابتكارات النضالية العبقرية لأهل غزة التي كان آخرها وحدات الإرباك الليلي.
*رابعا: ربط كل ما تقدم بشرق أوسط جديد تكون فيه دولة الاحتلال الفلك الذي تدور حوله هذه الدول، ويأتي ذلك في سياق المبالغة بالخطر الإيراني، وإظهار إسرائيل الدولة الواحدة القادرة على ردع هذا البعبع الإيراني.
وبعد هذه المقدمة الطويلة نعود للحديث عن الاختراقات الشعبية على الأرض الأمريكية. فكما فشلت الإدارة الامريكية في ترويض العالم وإقناعه بمواقفها ازاء اسرائيل، فشل قانون أمريكي سن عام 2016 لمحاربة أنصار القضية الفلسطينية فوق الأراضي الامريكية، وهو قانون حظر التعامل مع حركة مقاطعة إسرائيل المعروفة عالميا بـ»BDS» وسحب الاستثمارات منها، وفرض العقوبات عليها. فهذا القانون لم يعد يجدي نفعا بعدما جرى تحديه في المحاكم، وصدور أحكام تؤكد تناقضه مع الدستور الأمريكي. وبجهود ناشطي الحركة جمدت محكمة فيدرالية أمريكية تنفيذ القانون. وأصدر قاضي محكمة ولاية أريزونا حكما يؤكد أن القانون يتناقض مع الدستور الأمريكي، وأن المقاطعة ممارسة محمية بحرية التعبير. وقد حصل الشيء ذاته في بريطانيا قبل نحو عام، حيث تحدت المجالس البلدية قرار الحكومة في هذا الشأن.
وهذا نجاح كبير في بلد تسيطر فيه اللوبيات اليهودية على مفاصل الحكم، وتناصب إدارتها العداء للشعب الفلسطيني. وهذا الانتصار حقيقة يثير مخاوف إسرائيل، كما ذكرت صحيفة «هآرتس» من أن يكون لقرار المحكمة تداعيات في ولايات أمريكية أخرى. ويشترط هذا القانون معارضة مقاطعة إسرائيل، للتوقيع على العقود الحكومية مع السلطات في تلك الولايات. وتحدته جمعية الحقوق المدنية الأمريكية، فتقدمت بعريضة إلى مكتب النائب العام نيابة عن المحامي من ولاية أريزونا ميكيل جورديل، الذي كان على وشك توقيع عقد مع سلطات الولاية لتمثيل السجناء في سجونها، لكنه اضطر إلى التخلي عن توقيع العقد، بعد أن تبين له انه سيطلب منه التوقيع على التزام بعدم مقاطعة إسرائيل. وقال المحامي في الالتماس إنه أيد مقاطعة إسرائيل بسبب معاملتها للفلسطينيين، وإن ذلك نابع من معتقداته الدينية ومواقفه السياسية. وأوضح ايضا أن القانون هو قانون يمس حرية التعبير والحرية الدينية التي نص عليها التعديل الأول في القانون الأمريكي.
واخيرا رغم سخاء الدول العربية الخليجية، والسعودية على وجه الخصوص، مع إدارة ترامب والتوقيع على مجموعة من الصفقات خلال زيارته للسعودية، قبل نحو عام ونصف العام، بلغت قيمتها نحو نصف تريليون دولار، لم يشبع هذا الحوت، بل يطالب بالمزيد فهو يرى في هذه الدول الدجاجة التي تضع بيضات ذهبية.
واختتم بما قالته نيكي هيلي المندوبة في الأمم المتحدة في كلمة لها في الجمعية العامة، وقولها قول حق أرادت به باطلا. فماذا قالت: دولة بعد دولة تدعي التضامن مع الشعب الفلسطيني، فإذا كانت هذه الكلمات مفيدة في المدارس والمستشفيات وفي شوارع هذه المجتمعات، ما كان الشعب الفلسطيني ليواجه هذه الظروف اليائسة التي نناقشها اليوم، الكلام رخيص وليست هناك مجموعة من الدول أكثر سخاء بكلماتها لفلسطين من الجيران العرب، وغيرها من الدول الاعضاء، لكن الكلمات التي تلقى في نيويورك لا تطعم او تكسو او تعلم طفلا فلسطينيا واحدا، غير أن هيلي لم تتطرق إلى قطع المساعدات الأمريكية عن مستشفيات القدس، ولن نتحدث هنا عن قطع أموال الأونروا ولا أموال المساعدات للفلسطينيين عامة فهذه قضية سياسية.