انهيار الشرعيات الكاذبة، بداية الشرعية الشعبية

وصل النظام إلى سقفه الذي لا يمكنه أن يتخطاه، لقد دخل في عملية التفكك الكلي والانهيار المتواتر لتظهر اللوحة المتخفية بعد مدة قصيرة، التي لا تكشف عن رجال دولة، ولكن عن عصابات مهيكلة منظمة متوغلة في النسيج الاجتماعي بكل آلياتها التخريبية التي لطخت مجتمعاً بكامله، من الوزير ومكاتبه حتى الموظف الصغير الذي لا يصدر شهادة ميلاد إلاّ برشوة تحتية.
العصابة الآن تتشبث بالماء وبآخر أخشاب السفينة المحطمة لتنتهي إما بتقبل النهاية الفجائعية لها كقدر محتوم، وهو أمر لا يشبهها، أو تلتجئ في لحظة موتها إلى الانتقامات العمياء بواسطة الأيادي التي خلفتها وراءها والاغتيالات المنظمة.
المؤكد الوحيد الآن هو أن النظام انتهى ودخل في حالة تحلل متسارعة لن تنفع معها العلاجات اليائسة، لقد انهارت كل الشرعيات التي بنت السلطة عليها نظامها منذ استقلال الجزائر وحمتها من الهزات العنيفة، وسمحت لعمرها أن يتجاوز نصف القرن.
اليوم يفتح الجزائريون أعينهم على كذبة الشرعيات الهزيلة. أية شرعية ثورية عندما نعرف أن أغلب ورثاء الدم تركوا ألبسة النضال العسكرية وارتدوا ياقات المصالح ونسيان ذاكرة الجزائر المناضلة التي كانت نموذجاً ثورياً عالمياً مميزاً، تحول أغلبهم إلى مقاولين بلا مقاولة، يقايضون مصير البلاد بالعملة الصعبة والأرباح الخيالية التي يحققونها لا بالعمل، ولكن بالرشى والنهب، مجرد حلابين ينهشون ضرع بقرة أدموها حتى ناخت كالجمل الجريح على ركبتيها. أية شرعية تاريخية؟ والكثير من القادة والمسؤولين يحتاج تاريخهم اليوم إلى إعادة قراءة، لقد جيروا الشرعية التاريخية لمصالحهم، بحيث لا يعرف التلميذ في المدرسة الجزائرية إلا تاريخاً واحداً: 54-62. لا شيء قبل، ولا شيء بعد. عمر الجزائر كلها ثماني سنوات؟ هل يعقل؟ وقدم ذلك على أساس أنه التاريخ الوطني لبلاد عمرها آت من بعيد، قبل الميلاد وبعد هزات القرن الحادي والعشرين؟ هل هو تاريخ الجزائر أم تاريخ جبهة سياسية، حولوها بعد الاستقلال إلى حزب المصالح وسرقوا تاريخها؟ أية شرعية بقيت اليوم بعد بروز الشرعية الطبيعية، وهي الشرعية الشعبية؟ حتى عندما التجأوا لشرعية الشخصية التاريخية عندما استقدموا بوضياف، لم تتحمل العصابة التي تشكلت عبر تاريخ الجزائر الحديث وجوده، لأنه خرج عن سيطرتها كإلكترون حر، وبدا يبني مجتمعاً جديداً وعظيماً وحياً. وكان مؤمناً بالمستقبل وبطاقات الجزائر، قتلوه. انتهى مع بوضياف نظام الشرعيات المختلقة وأصبحت العصابة تمارس وجودها في العلن، فاستلمت البلاد وحولتها إلى ملكية عائلية وجهوية ومصلحية.
ما يحدث اليوم في الحراك الشعبي هو الرغبة الكبيرة في بناء نظام جديد خارج كل هذه الشرعيات المفتعلة التي وصلت إلى سقف عطاءاتها قبل أن تتحول إلى وسيلة لاغتصاب الحكم استناداً إلى العاطفة الشعبية. عندما انتخب الجزائريون بوتفليقة كانوا ينتظرون منه شيئاً آخر، صرح بهما في ترشحه: إيقاف نزيف العشرية السوداء، وإرجاع الجزائر إلى كل الجزائريين. الذي حدث-للأسف-هو أنه بقدر ما أوقف النزيف، ولو كان ذلك على حساب الضحايا الفعليين الذين قبلوا بكل شيء مقابل أن تستمر الجزائر في الحياة، خلق حلقات حوله، محكومة بمنظومة الانتساب العائلي أو المصلحي. ظلت هذه الحلقات تضيق الخناق بجشعها وأطماعها غير المحدودة، حتى أوصلت البلاد إلى حالة من المسخ المحلي والدولي، غير مسبوقة، باستعمال صورة الرئيس وإطاره كوسيلة للاستمرار والنهب وتسيير مصالح البلاد بعبثية غير معهودة، لم ترحم لا سنه ولا مرضه، إذ ظل على مدار العهدة الرابعة غائباً كلياً عن الوجود، واستعملته العصابة التي لا تملك ذرة من الأخلاق وسيلة للديمومة الزمنية في انتظار البديل الذي لم تصنعه طوال العشرين سنة الماضية بسبب أنانياتها المرضية وخوفها من أن يرتد عليها.
المال العام الذي نهبته العصابة كارثي، الله وحده يعرف كمه وثقله، بين ألف مليار تقريباً في خزينة الدولة إلى 73 مليار اليوم، ما يثير الخوف والقلق الكبيرين حول المآلات المستقبلية للبلاد في ظل الأزمات العالمية الحادة القادمة. وكل من حاول النبش عزل، مثل حالة رئيس الحكومة تبون الذي كان ضحية لأنه تجرأ في وقت من الأوقات وطلب من حداد حسابات ما تسلمه من خزينة الدولة مقابل مشاريع لم يشرع فيها بعد عشرات السنين من استلام أغلفتها.
لم يعد النظام في حاجة إلى التخفي وراء الشرعيات التي استنزفها. في الوقت الذي أصبح فيه الفقر والكوارث في التكوين المدرسي والجامعي وتراجيدية الحراقة هي الحديث اليومي للناس، إلى أن توقف تاريخ الشرعيات الكاذبة وحلت محله فكرة بناء مجتمع آخر، ستتضح معالمه إذا استمر الحراك في تناميه وتصاعده. لقد وصل هذا النظام إلى سقفه، وآن الأوان لأن يترك كل شيء ويناقش كيفية/ كيفيات خروجه فقط. وما يحدث اليوم من فراغات مؤسساتية ودستورية ليس إلا ثمرة حية لكل خسارات السنوات السابقة التي بنيت على الشرعيات الكاذبة. فكل شيء صنع على المقاس، وعندما ذهب الصُنّاع أصبح كل شيء ضيقاً على بلد وُجد ليكون كبيراً وعظيماً ومتسع القلب، لكن الأنانيات السياسية صغّرته حتى تلاشى أو كاد، وأصبح على حافة بركان خطير. ولا رغبة مطلقاً للنظام في التغيير من ممارساته القديمة. يستمر في تعنته وكأن شيئاً لم يحدث.
بعد حراك ستة أسابيع، ورفض لولاية رئاسية خامسة أو تمطيط الولاية الرابعة، وبعد إسقاط حكومة جعلت من المحسوبية والرشوة مسلكها، وبعد عيش أيام عصيبة تتعلق بصراعات الأجنحة الداخلية المشكلة للسلطة الفعلية، تواصل السلطة الفاقدة لأي وجود شرعي استمرارها. ها هي العصابة تعلن باسم الرئيس (المنتهي صحياً) عن ميلاد حكومة تسيير أعمال، حكومة نيو لوك، هي في النهاية لا حدث.
في انتظار حراك الجمعة القادمة، نحن في الجمعة السادسة التي تقول بعض الإحصائيات الأمنية التي كانت تتابع الحدث، إن المشاركين فيها تجاوزوا العشرين مليوناً. وكأن هدير نصف التعداد السكاني الذي ملأ الشوارع، في ظاهرة حضارية غير مسبوقة أبدعت فيها الحشود بالرفض والصرامة والسخرية أجمل أشكال التحدي الفني، لا تعنيها وما تزال غارقة في صراعاتها الداخلية ودسائسها والبحث في ضمانات خروجها. واضح من كل هذا أن العصابة التي لا تريد أن تستسلم، فتطلق رصاصاتها الأخيرة بعد أن رهنت الرئيس المسن والمريض، بعد اختطافه لأكثر من ولاية، ما تزال في جعبتها ألعاب لم تخرجها لتدمير الحراك الذي ألغى كلياً الخلافات وانتمى للمواطنة الجزائرية، من داخله. فالنضال الأكبر للحراكيين هو الحفاظ على هذه الخصوصية العددية والسلمية التي جعلت صورة الجزائري ترتقي عالياً. ويظل الحلم الذي اشترك ويشترك فيه من الشيخ الطاعن في السن حتى الصبي الصغير المحمول بين ذراعي أمه قائماً ويجب ألا ينطفئ، لأنه سيكون كارثة على الجزائر والشعوب المحيطة بها التي تنظر إلى الحراك نظرة أمل كبير. نهاية العصابة التي عاثت فساداً في البلاد فقتلت وشردت ونهبت المال العام وجعلت من الريع النفطي مركز غناها، هي في أنفاسها الأخيرة التي بدأت تضيق قبل حالة الاختناق القاتل والتفكك النهائي.